فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 67

أخرج البخاري عن أبي موسى قال: سمعت الحسن - أي البصري - يقول: استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها. فقال له معاوية - و كان خير الرجلين: أي عمرو، إن قتل هؤلاء، هؤلاء و هؤلاء، هؤلاء من لي بأمور الناس؟ من لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس - عبد الله بن سمرة و عبد الله بن عامر بن كريز - فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه و قولا له و اطلبا إليه. فأتياه فدخلا عليه فتكلما و قالا له و طلبا إليه. فقال لهما الحسن بن علي: إنّا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال و إن هذه الأمة قد عاثت في دمائها، قالا: فإنه يعرض عليك كذا و كذا و يطلب إليك و يسألك، قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئًا إلا قالا نحن لك به فصالحه، فقال الحسن - أي البصري: و لقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر - و الحسن بن علي إلى جنبه و هو يقبل على الناس مرة و عليه أخرى و يقول: إن ابني هذا سيد و لعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين. صحيح البخاري مع الفتح (5/ 361) و الطبري (5/ 158) .

و في هذه القصة فوائد كثيرة أفادها الحافظ في الفتح منها:-

1 -عَلَمٌ من أعلام النبوة.

2 -فيها منقبة للحسن بن علي رضي الله عنهما، فإنه ترك الملك لا لقلة و لا لذلة و لا لعلة، بل لرغبته فيما عند الله، و لما رآه من حقن دماء المسلمين، فراعى أمر الدين و مصلحة الأمة.

3 -فيها ردّ على الخوارج الذين كانوا يكفرون عليًا و من معه و معاوية و من معه، بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم للطائفتين بأنهم من المسلمين.

4 -فيها دلالة على فضيلة الإصلاح بين الناس، ولا سيما في حقن دماء المسلمين.

5 -فيها دلاله على رأفة معاوية بالرعية و شفقته على المسلمين، و قوة نظره في تدبير الملك و نظره في العواقب.

6 -فيها جواز خلع الخليفة نفسه إذا رأى في ذلك صلاحًا للمسلمين.

7 -و فيه جواز ولاية المفضول مع وجود الأفضل، لأن الحسن و معاوية ولي كل منهما الخلافة و سعد بن أبي وقاص (ت 55 هـ) و سعيد بن زيد (ت 51 هـ) في الحياة و هما بدريان. فتح الباري (13/ 71 - 72) .

و بهذا التنازل، انتهت مرحلة من الصراع و عادة الأمة إلى الجماعة بعد أن مرت بتجارب جديدة قاسية تركت آثارها عميقة في المخيلة لأجيالها المتلاحقة حتى الوقت الحاضر.

للمزيد حول تفاصيل الصلح و خطوات ذلك، راجع كتاب: مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري للدكتور خالد الغيث (ص 126 - 167) ، و كتاب: مواقف المعارضة في خلافة يزيد بن معاوية للدكتور محمد بن عبد الهادي الشيباني (ص 110 - 120) فقد أجاد كل منهما في طرح الموضوع ومناقشته ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت