عمل معاوية رضي الله عنه جهده من البداية في سبيل إعداد ولده يزيد، و تنشئته التنشئة الصحيحة، ليشب عليها عندما يكبر، فسمح لمطلقته ميسون بنت بحدل الكلبية، و كانت من الأعراب، و كانت من نسب حسيب، و منها رزق بابنه يزيد - انظر ترجمتها في: تاريخ دمشق لابن عساكر - تراجم النساء - (ص 397 - 401) - من أن تتولى تربيته في فترة طفولته، وكان رحمه الله وحيد أبيه، فأحب معاوية رضي الله عنه أن يشب يزيد على حياة الشدة و الفصاحة فألحقه بأهل أمه ليتربى على فنون الفروسية، و يتحلى بشمائل النخوة و الشهامة والكرم و المروءة، إذ كان البدو أشد تعلقًا بهذه التقاليد.
كما أجبر معاوية ولده يزيد على الإقامة في البادية، و ذلك لكي يكتسب قدرًا من الفصاحة في اللغة، كما هو حال العرب في ذلك الوقت.
و عندما رجع يزيد من البادية، نشأ و تربى تحت إشراف والده، و نحن نعلم أن معاوية رضي الله عنه كان من رواة الحديث - تهذيب التهذيب لابن حجر (10/ 207) -، فروى يزيد بعد ذلك عن والده هذه الأحاديث و بعض أخبار أهل العلم. مثل حديث: من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين، و حديث آخر في الوضوء، و روى عنه ابنه خالد و عبد الملك بن مروان، و قد عده أبوزرعة الدمشقي في الطبقة التي تلي الصحابة، و هي الطبقة العليا. البداية و النهاية لابن كثير (8/ 226 - 227) .
و قد اختار معاوية دَغْفَل بن حنظلة السدوسي الشيباني (ت 65 هـ) انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب لابن حجر (3/ 210) ، مؤدبًا لولده يزيد، و كان دغفل علامة بأنساب العرب، و خاصة نسب قريش، و كذلك عارفًا بآداب اللغة العربية.
هذا مختصر لسيرة يزيد بن معاوية قبل توليه الخلافة ..
أما عن فكرة ولاية العهد .. فقد بدأ معاوية رضي الله عنه يفكر فيمن يكون الخليفة من بعده، ففكر معاوية في هذا الأمر و رأى أنه إن لم يستخلف و مات ترجع الفتنة مرة أخرى.
فقام معاوية رضي الله عنه باستشارة أهل الشام في الأمر، فاقترحوا أن يكون الخليفة من بعده من بني أمية، فرشح ابنه يزيد، فجاءت الموافقة من مصر و باقي البلاد و أرسل إلى المدينة يستشيرها و إذ به يجد المعارضة من الحسين و ابن الزبير، و ابن عمر و عبد الرحمن بن أبي بكر، و ابن عباس. انظر: تاريخ الإسلام للذهبي - عهد الخلفاء الراشدين - (ص 147 - 152) و سير أعلام النبلاء (3/ 186) و الطبري (5/ 303) و تاريخ خليفة (ص 213) . إلا أن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما قد بايعا فيما بعد طوعًا ليزيد.
و كان اعتراض هؤلاء النفر حول تطبيق الفكرة نفسها، لا على يزيد بعينه.
ثم كانت سنة واحد وخمسين هجرية فحج معاوية في الناس و قرأ كتاب الإستخلاف ليزيد على الناس فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: لقد علمتم سيرتي فيكم، و صلتي لأرحامكم، و صفحي عنكم و حلمي لما يكون منكم، و يزيد ابن أمير المؤمنين أخوكم و ابن عمكم و أحسن الناس لكم رأيًا، و إنما أردت أن تقدموه باسم الخلافة و تكونوا أنتم الذين تنزعون و تؤمرون، و تجيبون و تقسمون لا يدخل عليكم في شيء من ذلك. راجع العواصم من القواصم (ص 226 - 228) ، و الكامل في التاريخ (2/ 512) .
و اعتبر معاوية أن معارضة هؤلاء ليست لها أثر، و أن البيعة قد تمت، حيث أجمعت الأمة على هذه البيعة. راجع: الفصل في الملل و النحل لابن حزم (4/ 149 - 151) و قد ذكر كيفية انعقاد البيعة و شروطها فعرضها عرضًا دقيقًا.
و كان سبب تولية معاوية ابنه يزيد لولاية العهد من بعده، أسباب كثيرة، فهناك سبب سياسي؛ وهو الحفاظ على وحدة الأمة، خاصة بعد الفتن التي تلاحقت يتلوا بعضها بعضًا، و كان من الصعوبة أن يلتقي المسلمون على خليفة واحد، خاصة و القيادات المتكافئة في الإمكانيات قد تضرب بعضها بعضًا فتقع الفتن و الملاحم بين المسلمين مرة ثانية، ولا يعلم مدى ذلك إلا الله تعالى.
وهناك سبب الاجتماعي؛ وهو قوة العصبية القبلية خاصة في بلاد الشام الذين كانوا أشد طاعة لمعاوية ومحبة لبني أمية، وليس أدل على ذلك من مبايعتهم ليزيد بولاية العهد من بعد أبيه دون أن يتخلف منهم أحد.
وهناك أسباب شخصية في يزيد نفسه، وليس معاوية بذلك الرجل الذي يجهل صفات الرجال ومكانتهم، وهو ابن سلالة الإمارة والزعامة في مكة، ثم هو الذي قضى أربعين سنة من عمره وهو يسوس الناس ويعرف مزايا القادة والأمراء والعقلاء، ويعرف لكل