الجواب: إن هذه الفرية من الأشياء المكذوبة في حق معاوية رضي الله عنه بل من الأباطيل التي روج لها الرافضة ودخلت على كتب أهل السنة كأنها حقيقة لا شك فيها .. وبل وظلم العهد الأموي بها .. ولقد تبين لي بعد النظر في الأسباب الداعية لذلك أن أبرز تلك الأسباب التي دعت بعض الناس، أو الطوائف لتشويه هذا العهد هو التعصب للمذهب والآراء ومحاولة التشهير بالآخرين ..
وهذه دعوى تحتاج إلى دليل، وهي مفتقرة إلى صحة النقل، وأغلب الرافضة ومن أشرب قلبه ببغض معاوية رضي الله عنه، لا يتثبتون فيما ينقلون، وإنما يكتفون بقولهم: (كما ذكر ذلك المؤرخون) أو (وكتب التواريخ طافحة بذلك) إلى غيرها من الترهات .. ولا يحيلون إلى أي مصدر موثوق، وكما هو معلوم مدى أهمية الإحالة والتوثيق لمثل هذه الدعاوى عند المحققين والباحثين ..
ومعاوية رضي الله عنه منزه عن مثل هذه التهم، بما ثبت من فضله في الدين، كما أن معاوية رضي الله عنه كان محمود السيرة في الأمة، أثنى عليه الصحابة وامتدحه خيار التابعين، وشهدوا له بالدين والعلم والفقه والعدل والحلم وسائر خصال الخير .. وقد تقدم معنا في حلقات مضت الكثير من فضائل هذا الصحابي الجليل العامة والخاصة فلتراجع للأهمية ..
ونقول بعد مراجعة تلك الفضائل وأقوال أهل العلم في معاوية رضي الله عنه: إذا ثبت هذا في حق معاوية، فإنه من أبعد المحال على من كانت هذه سيرته أن يحمل الناس على لعن علي رضي الله عنه على المنابر وهو من هو في الفضل، و هذا يعني أن أولئك السلف وأهل العلم من بعدهم الذين أثنوا عليه ذلك الثناء البالغ، قد مالؤوه على الظلم والبغي واتفقوا على الضلال!! وهذا مما نزهت الأمة عنه بنص حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن أمتي لا تجتمع على ضلالة) السنة لابن أبي عاصم برقم (82 - 84) .
ومن علم سيرة معاوية رضي الله عنه في الملك وما اشتهر به من الحلم والصفح وحسن السياسة للرعية، ظهر له أن ذلك من أكبر الكذب عليه.
ولا شك أن هذه الحكاية لا تتفق أبدًا مع منطق الحوادث، ولا طبيعة المتخاصمين، و إن الكتب التاريخية المعاصرة لبني أمية لم تذكر شيئًا من ذلك أبدًا، و إنما هي من كتب المتأخرين، مثل:-
1 -كتاب تاريخ الطبري (5/ 71) عن أبي مخنف.
2 -تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص 285) .
3 -الكامل لابن الأثير (2/ 397) . وغيرهم ممن كتبوا تاريخهم في عصر بني العباس ..
وهذا العمل إنما كان بقصد أن يسيئوا إلى سمعة بني أمية، و يعلنوا للعلويين أن اضطهاد العباسيين للعلويين لم يبلغ القدر الذي ارتكبه الأمويون من قبل.
ثم كيف يسمح معاوية رضي الله عنه بذلك؟! و هو الذي لم يصح عنه أبدًا أنه سبّ عليًا أو لعنه مرة واحدة، فضلًا عن التشهير به على المنابر!! ..
وقد علق ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية (7/ 284) على قصة لعن علي رضي الله عنه على المنابر بعد القنوت، بقوله: ولا يصح هذا ..
ثم لنا أن نتساءل أيضًا لماذا يُعنى بنو أمية بسب علي رضي الله عنه و هم الغالبون المنتصرون؟
و ما يمكن أن يقال في إجماع المسلمين على أنه لا يجوز لعن المسلم على التعيين؟
و هل يكون هذا الحكم غائبًا عن معاوية رضي الله عنه و من أتى بعده من بني أمية؟
و كيف نفسر ما نقله صاحب العقد الفريد من أن معاوية أخذ بيد الحسن بن علي في مجلس له، ثم قال لجلسائه: من أكرم الناس أبًا و أمًا و جدًا و جدة؟ فقالوا: أمير المؤمنين أعلم .. فأخذ بيد الحسن و قال: هذا أبوه علي بن أبي طالب، و أمه فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، و جده رسول الله صلى الله عليه وسلم، و جدته خديجة رضي الله عنها.