فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 67

بعد أن توفي معاوية رضي الله عنه و بويع ليزيد بالخلافة في الشام، كتب يزيد إلى والي المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان أن يدعو الناس للبيعة و أن يبدأ بوجوه قريش. انظر: ابن سعد في الطبقات (5/ 359) بإسناد جمعي، و تاريخ خليفة (ص 232) بإسناد فيه محمد بن الزبير الحنظلي، و هو متروك.

استشار الوليد بن عتبة مروان بن الحكم فأشار عليه بأن يبعث في طلب الحسين وابن الزبير للبيعة، فيروي خليفة في تاريخه (ص 233) : أن ابن الزبير حضر عند الوليد و رفض البيعة واعتذر بأن وضعه الاجتماعي يحتم عليه مبايعته علانية أما الناس، و طلب منه أن يكون ذلك من الغد في المسجد إن شاء الله. واستدعى الحسين بعد ذلك و يبدوا أن الوليد تحاشى أن يناقش معه موضوع البيعة ليزيد، فغادر الحسين مجلس الوليد من ساعته، فلما جنّ الليل خرج ابن الزبير والحسين متجهين إلى مكة كل منها على حدة. ورواية خليفة هي الأقرب في نظري إلى الحقيقة، فإضافة إلى تسلسل الحدث فيها، فإن الرواية نفسها عن جويرية بن أسماء و هو مدني.

في طريق مكة التقى الحسين وابن الزبير بابن عمر و عبد الله بن عياش، و هما منصرفين من العمرة قادمين إلى المدينة، فقال لهما ابن عمر: أذكركما الله إلا رجعتما فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناس و تنظران فإن اجتمع الناس عليه لم تشذا، و إن افترق عليه كان الذي تريدان. ابن سعد في الطبقات (5/ 360) والمزي في تهذيب الكمال (6/ 416) من طريق ابن سعد، و الطبري (5/ 343) لكنه ذكر أن الذي لقيهما ابن عمر وابن عباس، و لعله تحريف في اسم عياش، والصحيح أن ابن عباس كان موجودًا بمكة حينذاك.

فلما علمت شيعة الكوفة بموت معاوية و خروج الحسين إلى مكة و رفض البيعة ليزيد، فاجتمع أمرهم على نصرته، ثم كتبوا إليه، و بعد توافد الكتب على الحسين و هو بمكة و جميعها تؤكد الرغبة في حضوره و مبايعته، نستطيع أن نقول: إن الحسين لم يفكر بالخروج إلى الكوفة إلا عندما جاءته الرسل من الكوفيين يدعونه بالخروج إليهم، و أنهم يدعونه مرحبين به طائعين، فأراد الحسين أن يتأكد من صحة هذه الأقوال، فأرسل مسلم بن عقيل بن أبي طالب ابن عمه لينظر في أمر أهل الكوفة و يقف على الحقائق بنفسه. انظر: تاريخ الطبري (5/ 354) و البلاذري في أنساب الأشارف (3/ 159) .

ذهب مسلم بن عقيل إلى الكوفة، و وقف على ما يحدث هناك و كتب إلى الحسين يدعوه إلى الخروج إلى الكوفة وأن الأمر مهيأ لقدومه.

و قد تتابعت النصائح من الصحابة و التابعين تنهى الحسين عن الخروج إلى الكوفة، و من الذين نصحوا: محمد بن الحنفية أخوه -، و ابن عباس، وابن عمر وابن الزبير و أبو سعيد الخدري و جابر بن عبد الله، و غيرهم الكثير، ينهونه عن القدوم إلى الكوفة، غير أن هذه النصائح الغالية الثمينة لم تؤثر في موقف الحسين حيال خروجه إلى الكوفة، بل عقد العزم على الخروج، فأرسل إلى المدينة و قدم عليه من خفّ من بني عبد المطلب، و هم تسعة عشر رجلًا و نساء و صبيانًا من اخوته و بناته و نسائه، فتبعهم محمد بن الحنفية وأدرك الحسين قبل الخروج من مكة فحاول مرة أخرى أن يثني الحسين عن خروجه لكنه لم يستطع. انظر: ابن سعد في الطبقات (5/ 266 - 267) .

و جاء ابن عباس و نصحه فأبى إلا الخروج إلى الكوفة، فقال له ابن عباس: لولا أن يزري بي و بك، لنشبت يدي في رأسك، فقال أي الحسين: لإن أقتل بمكان كذا و كذا أحب إلي من أستحل حرمتها، يعني الكعبة، فقال ابن عباس فيما بعد: و كان ذلك الذي سلى نفسي عنه. و كان ابن عباس من أشد الناس تعظيمًا للحرم. انظر: مصنف ابن أبي شيبة (5/ 96 - 97) بإسناد صحيح، و الطبراني في المعجم الكبير (9/ 193) و قال الهيثمي في المجمع (9/ 192) و رجاله رجال الصحيح، و الذهبي في السير (2/ 292) و غيرهم الكثير.

إن حقيقة الأمر في موقف ابن الزبير رضي الله عنه مثل باقي كبار الصحابة الذين نصحوا الحسين بعدم الخروج، والحجة في ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد حسن قال: لقي عبد الله بن الزبير الحسين بن علي بمكة فقال: يا أبا عبد الله بلغني أنك تريد العراق، قال: أجل، فلا تفعل، فإنهم قتلة أبيك، الطاعنين بطن أخيك، وإن أتيتهم قتلوك. المصنف (7/ 477) .

و لما علم ابن عمر بخروج الحسين أدركه على بعد ثلاث مراحل من المدينة فقال للحسين أين وجهتك؟ فقال: أريد العراق، ثم أخرج إليه كتب القوم، ثم قال: هذه بيعتهم و كتبهم، فناشده الله أن يرجع، فأبى الحسين، ثم قال ابن عمر: أحدثك بحديث ما حدثت به أحدًا قبلك: إن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم يخيره بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، و إنكم بضعة منه، فوالله لا يليها أحد من أهل بيته، ما صرفها الله عنكم إلا لما هو خير لكم، فارجع أنت تعرف غدر أهل العراق و ما كان يلقى أبوك منهم، فأبى، فاعتنقه و قال: استودعتك من قتيل. ابن سعد في الطبقات (5/ 360) و ابن حبان (9/ 58) وكشف الأستار (3/ 232 - 233) بسند رجاله ثقات. و عند غيرهم.

لكن هذه النصائح والتحذيرات لم تثن الحسين عن إرادته و عزمه على الخروج نحو الكوفة.

و هنا يبرز سؤال ملح: و هو كيف يجمع عدد من الصحابة و كبراؤهم و كبار التابعين و أصحاب العقل منهم، و من له قرابة بالحسين على رأي واحد و هو الخوف على الحسين من الخروج وأن النتيجة معروفة سلفًا، و في المقابل كيف يصر الحسين على رأيه وترك نصائح الصحابة وكبار التابعين؟

و الإجابة على هذا السؤال تكمن في سببين اثنين:-

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت