الأول: وهو إرادة الله جل وعلا و أن ما قدره سيكون و إن أجمع الناس كلهم على رده فسينفذه الله لا راد لحكمه ولا لقضائه سبحانه وتعالى.
الثاني: و هو السبب الواقعي الذي تسبب في وجود الأمر الأول، و هو أن الحسين رضي الله عنه أدرك أن يزيد بن معاوية لن يرضى بأن تكون له حرية التصرف والبقاء بدون حمله بالقوة على البيعة، و لن يسمح يزيد بأكثر مما حدث، فرسل تأتي و رسل تذهب و دعوة عريضة له بالكوفة، كل هذا يجعل الحسين يدرك أن موقفه في مكة يزداد حرجًا، و هو يمانع البيعة للخليفة دون أن يكون هناك ما يبرر موقفه بشكل واضح، ثم إن خشية الحسين من وقوع أي مجابهة بينه و بين الأمويين في مكة هو الذي جعله يفكر بالخروج من مكة سريعًا، و هو ما أكده لابن عباس، ولعل الأمر الذي جعله يسارع في الخروج إلى الكوفة هي الصورة المشرقة والمشجعة التي نقلها له ابن عمه لحال الكوفة و أنها كلها مبايعة له.
و في نظري أن مسلم بن عقيل و الحسين رضي الله عنهما لم يكونا يحيطون بكثير من أمور السياسة، فمسلم بن عقيل وثق في تلك الآلاف المبايعة للحسين و ظن أن هؤلاء سيكونون مخلصين أوفياء و لم يجعل في حسبانه أن العاطفة هي المسير لتلك الأعداد، فكان على مسلم بن عقيل أن يستثمر الوضع لصالحه وأن يعايش الواقع الفعلي حتى يخرج بتصور صحيح، وأما أن يرسل للحسين منذ الوهلة الأولى و يوهمه بأن الوضع يسير لصالحه، فهذا خطأ كبير وقع فيه مسلم بن عقيل، ثم إن الحسين رضي الله عنه وثق بكلام مسلم بن عقيل و صدق أن الكوفة ستقف معه بمجرد مجيئه إليها، و نسي أن الكوفة هي التي عانى أبوه منها أشد المعاناة من التخاذل والتقاعس و عدم الامتثال لأوامره ثم كانت النهاية باغتياله رضي الله عنه، ثم إن أخاه الحسن واجه الغدر والمكيدة من أهل الكوفة، وكان يحذره منهم حتى على فراش الموت، ثم إن الذين نصحوه يحملون حسًا سياسيًا واضحًا فالكل حذره و بين خطأه الذي سيقدم عليه، و من المستحيل أن يكون كل الناصحون على خطأ و أن فردًا واحدًا هو على الحق و بالأخص إذا عرفنا من هم الناصحون، لكنه قدر الله، و حدث ما حدث و قتل الحسين في معركة كربلاء.
و لم يختلف المؤرخون بل و الناس فيما عرض لهم و عرض عليهم من مسائل التاريخ مثلما اختلفوا في مقتل الحسين رضي الله عنه، من بدايتها حتى نهايتها من الدوافع الأولية إلى الخديعة و خيانة الأعراب.
و النظرة التاريخية الفاحصة بعيدًا عن الشطط أو الإغراق أو المغالاة تجعلنا في حيرة و أي حيرة، لأن كل فريق له رأيه و له حجته فيما انتهى إليه، و علينا أن ندعو لهم و نستغفر الله لنا ولهم.
و في يقيني أن أمر النزاع بين الحسين و يزيد يجب الإمساك عن الخوض فيه، لأن هذا أفضل من الكلام في ما لا نعلم، و صفوة القول أن الحسين قد أفضى إلى ربه شهيدًا مجاهدًا، رضي الله عنه و أرضاه و ألحقنا بالصالحين في دار المقامة.
و عن هذا الصراع الدموي الأليم العنيف بين الحسين و يزيد أقول: يفصل الله بينهم يوم القيامة، فإني لا أجرؤ بما توافر لدي من آراء و أبحاث و مراجع على القول بغير هذا: عفا الله عنا و عنهم.
و عن حياة الإمام الحسين رضي الله عنه قال ابن عبد البر في الاستيعاب: قتل الحسين يوم الجمعة لعشر خلت من المحرم يوم عاشوراء سنة إحدى و ستين، بموضع يقال له كربلاء من أرض العراق بناحية الكوفة و عليه جبة خز دكناء، و هو ابن ست و خمسين سنة، قاله نسابة قريش الزبير بن بكار، و مولده لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، و فيها كانت غزوة ذات الرقاع و فيها قصرت الصلاة و تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم من أم سلمة رضي الله عنه. الاستيعاب (1/ 393) و انظر التذكرة للقرطبي (2/ 645) و نسب قريش للزبير بن بكار (ص 24) .
ثم يقول ابن حجر: و قد صنف جماعة من القدماء في مقتل الحسين تصانيف فيها الغث و السمين، و الصحيح و السقيم، و قد صح عن إبراهيم النخعي أنه كان يقول: لو كنت فيمن قاتل الحسين ثم دخلت الجنة لاستحييت أن أنظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. الإصابة (2/ 81) .
و اختلفت الأقوال في يوم قتله، فالبعض قال يوم الجمعة و قيل يوم السبت العاشر من المحرم و الأصح الأول. و اتفق على أنه قتل يوم عاشوراء من المحرم سنة إحدى و ستين، و كذا قال الجمهور، و شذ من قال غير ذلك، و كان يوم الجمعة هو يوم عاشوراء. الإصابة (2/ 76 - 81) و العقد الفريد لابن عبد ربه (4/ 356) و هو يؤيد الإجماع.
و قال الحافظ في الفتح: كان مولد الحسين في شعبان سنة أربع في قول الأكثر، و قتل يوم عاشوراء سنة إحدى و ستين بكربلاء من أرض العراق، و كان أهل الكوفة لما مات معاوية و استخلف يزيد كاتبوا الحسين بأنهم في طاعته فخرج الحسين إليهم، فسبقه عبيد الله بن زياد إلى الكوفة، فخذل غالب الناس عنه فتأخروا رغبة و رهبة، و قتل ابن عمه مسلم بن عقيل و كان الحسين قد قدمه قبله ليبايع له الناس، ثم جهز إليه عسكرًا فقاتلوه إلى أن قتل هو و جماعة من أهل بيته. فتح الباري (7/ 120) . و تاريخ خليفة (ص 234) .
روى الحاكم عن أم الفضل بنت الحارث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتاني جبريل عليه السلام فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا - يعني الحسين - فقلت: هذا؟ فقال نعم، و أتاني بتربة من تربته حمراء. السلسلة الصحيحة (2/ 464) و هو في صحيح الجامع، رقم (61) .
و روى أحمد عن عائشة أو أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لقد دخل عليّ البيت مَلَكٌ لم يدخل علي قبلها، فقال لي: إن ابنك هذا حسين مقتول، و إن شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها. السلسلة الصحيحة (2/ 465) .
و روى أحمد عن ابن عباس قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرى النائم ذات يوم بنصف النهار أشعث أغبر بيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت و أمي ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين و أصحابه، و لم أزل ألتقطه منذ اليوم. فأحصي ذلك الوقت، فوجد قتل ذلك الوقت.