وظاهر قول معاوية هنا لابن عباس جاء على سبيل المداعبة، فكذلك قوله لسعد هو من هذا الباب، وأما ما ادعى الرافضة من الأمر بالسب، فحاشا معاوية رضي الله عنه أن يصدر منه مثل ذلك، والمانع من هذا عدة أمور:-
الأول: أن معاوية نفسه ما كان يسب عليًا رضي الله عنه، فكيف يأمر غيره بسبه؟ بل كان معظمًا له معترفًا له بالفضل والسبق إلى الإسلام، كما دلت على ذلك أقواله الثابتة عنه.
قال ابن كثير: وقد ورد من غير وجه أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا له: هل تنازع عليًا أم أنت مثله؟ فقال: والله إني لأعلم أنه خير مني وأفضل، وأحق بالأمر مني .. البداية والنهاية (8/ 132) .
ونقل ابن كثير أيضًا عن جرير بن عبد الحميد عن المغيرة قال: لما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم. نفس المصدر (8/ 133) .
الثاني: أنه لا يعرف بنقل صحيح أن معاوية رضي الله عنه تعرض لعلي رضي الله عنه بسب أو شتم أثناء حربه له في حياته، فهل من المعقول أن يسبه بعد انتهاء حربه معه ووفاته، فهذا من أبعد ما يكون عند أهل العقول وأبعد منه أن يحمل الناس على سبه وشتمه.
الثالث: أن معاوية رضي الله عنه كان رجلًا ذكيًا، مشهور بالعقل والدهاء، فلو أراد حمل الناس على سب علي وحاشاه من ذلك، أفكان يطلب ذلك من مثل سعد بن أبي وقاص، وهو من هو في الفضل والورع، مع عدم دخوله في الفتنة أصلًا!! فهذا لا يفعله أقل الناس عقلًا وتدبيرًا، فكيف بمعاوية؟!!
الرابع: أن معاوية رضي الله عنه انفرد بالخلافة بعد تنازل الحسن بن علي رضي الله عنهما له واجتمعت عليه الكلمة والقلوب، ودانت له الأمصار بالملك، فأي نفع له في سب علي؟! بل الحكمة وحسن السياسة تقتضي عدم ذلك، لما فيه من تهدئة النفوس وتسكين الأمور، ومثل هذا لا يخفى على معاوية رضي الله عنه الذي شهدت له الأمة بحسن السياسة والتدبير.
الخامس: أنه كان بين معاوية رضي الله عنه بعد استقلاله بالخلافة وابناء علي من الألفة والتقارب ما هو مشهور وفي كتب السير والتاريخ ..
ومن ذلك أن الحسن والحسين وفدا على معاوية فأجازهما بمائتي ألف، وقال لهما: ما أجاز بهما أحد قبلي، فقال له الحسن: ولم تعط أحد أفضل منا. البداية والنهاية (8/ 139) .
ودخل مرة الحسن على معاوية فقال له: مرحبًا وأهلًا بابن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم، وأمر له بثلاثمائة ألف. المصدر نفسه (8/ 140) .
وهذا مما يقطع بكذب ما ادعي في حق معاوية رضي الله عنه من حمله الناس على سب علي رضي الله عنه، إذ كيف يحصل هذا مع ما بينه وبين أولاده من هذه الألفة والمودة والاحتفاء والتكريم ..
الشبهة الثانية: ما جاء في صحيح مسلم (برقم 2409) عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: استُعمل على المدينة رجل من آل مروان قال: فدعا سهل بن سعد فأمر أن يشتم عليًا رضي الله عنه، فأبى سهل، فقال له: أما إذا أبيت فقل: لعن الله أبا تراب، فقال سهل: ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي تراب .. ثم ذكر الحديث وسبب تسميته بذلك.
الجواب: هذا الادعاء لا أساس له من الصحة، بل إن استشهاد هؤلاء وأمثالهم بهذا الحديث لا حجة فيه، فأين التصريح باسم معاوية فيه؟؟ ثم إن الرجل من آل مروان، ومن المعروف لدى الجاهل قبل العالم أن معاوية رضي الله عنه سفياني وليس مرواني ..
ومن الغرائب أن هؤلاء المبتدعة ينكرون سب علي، ولم يتورعوا عن سب خير البرية بعد الأنبياء أبي بكر وعمر وعثمان!! وكتبهم طافحة بذلك ..
و لنستمع إلى ما رواه أبو نعيم في الحلية (1/ 84 - 85) عن أبي صالح قال: دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية فقال له معاوية: صف لي عليًا، فقال ضرار: أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال معاوية: لا أعفيك، قال ضرار: أما إذ لابدّ، فإنه كان و الله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلًا و يحكم عدلًا، و يتفجر العلم من جوانبه، و تنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا