فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 67

و زهرتها، و يستأنس بالليل و ظلمته، كان و الله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلب كفه، و يخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، و من الطعام ما جشب - غليظ، أو بلا إدام -، كان و الله كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، و يجيبنا إذا سألناه، و كان مع تقربه إلينا و قربه منا لا نكلمه هيبة له، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، و يحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه، و قد أرخى الليل سدوله، و غارت نجومه، يميل في محرابه قابضًا على لحيته، يتململ تململ السليم - اللديغ -، و يبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه الآن و هو يقول: يا ربنا، يا ربنا، يتضرع إليه، ثم يقول للدنيا: إلىّ تغررت؟ إلىّ تشوفت؟ هيهات، هيهات، غري غيري، قد بَتَتّكِ ثلاثًا، فعمرك قصير، و مجلسك حقير، و خطرك كبير، آهٍ آه من قلة الزاد، و بعد السفر و وحشة الطريق. فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها، و جعل ينشفها بكمه، و قد اختنق القوم بالبكاء، فقال - أي معاوية: كذا كان أبو الحسن رحمه الله، كيف وَجْدُكَ عليه يا ضرار؟ قال ضرار: وَجْدُ من ذبح واحِدُها في حِجْرِها، لا ترقأ دمعتها ولا يسكن حزنها، ثم قام فخرج.

قال القرطبي معلقًا على وصف ضرار لعلي رضي الله عنه وثنائه عليه بحضور معاوية، وبكاء معاوية من ذلك، وتصديقه لضرار فيما قال: (وهذا الحديث يدل على معرفة معاوية بفضل علي رضي الله عنه ومنزلته، وعظم حقه ومكانته، وعند ذلك يبعد على معاوية أن يصرح بلعنه وسبه، لما كان معاوية موصوفًا به من العقل والدين والحلم وكرم الأخلاق وما يروى عنه من ذلك فأكثره كذب لا يصح .. ) المفهم للقرطبي (6/ 278) .

و بعد هذا الموقف، هل يتصور من معاوية رضي الله عنه، أن يصرح بلعن علي رضي الله عنه على المنابر؟!

وهل يعقل أن يسع حلم معاوية رضي الله عنه الذي بلغ مضرب الأمثال، سفهاء الناس وعامتهم وهو أمير المؤمنين، ثم يأمر بعد ذلك بلعن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب على المنابر، ويأمر ولاته بذلك في سائر الأمصار والبلدان؟؟!! والحكم في هذا لكل صاحب عقل وفهم ودين ..

و أما ما قيل من أن بني أمية كانوا يسبون علي بن أبي طالب في الخطب، فلما ولي عمر بن عبد العزيز أبطله و كتب إلى نوابه بإبطاله. انظر خبر أمر عمر بن عبد العزيز بترك سب علي على المنابر في الكامل لابن الأثير (3/ 255 - 256) و سير أعلام النبلاء للذهبي (5/ 147) .

قلت: إن من أحب شخصًا لا ينبغي أن ينسب كل عمل خير له؛ صحيح أن عمر بن عبد العزيز من أئمة الهدى ومن المجددين، و اعتبر خامس الخلفاء الراشدين، لأنه سار على نهجهم في سيرتهم مع الرعية و الخلافة و طريقة العيش وغيرها من الأمور، لكن لا يعني أن نفضل عمر بن عبد العزيز على معاوية رضي الله عنه، فمعاوية صحابي جليل القدر و المنزلة، و هو خال المؤمنين، رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم و صافحت يده يد النبي صلى الله عليه وسلم، ولاشك أن مثل هذه الفضيلة و المكانة لا تجعل من معاوية رضي الله عنه يصرح بلعن علي رضي الله عنه على المنابر ..

سئل عبد الله بن المبارك، أيهما أفضل: معاوية بن أبي سفيان، أم عمر بن عبد العزيز؟ فقال: و الله إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من عمر بألف مرة، صلى معاوية خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سمع الله لمن حمده، فقال معاوية: ربنا ولك الحمد. فما بعد هذا؟. وفيات الأعيان، لابن خلكان (3/ 33) ، و بلفظ قريب منه عند الآجري في كتابه الشريعة (5/ 2466) .

و أخرج الآجري بسنده إلى الجراح الموصلي قال: سمعت رجلًا يسأل المعافى بن عمران فقال: يا أبا مسعود؛ أين عمر بن عبد العزيز من معاوية بن أبي سفيان؟! فرأيته غضب غضبًا شديدًا و قال: لا يقاس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحد، معاوية رضي الله عنه كاتبه و صاحبه و صهره و أمينه على وحيه عز وجل. كتاب الشريعة للآجري (5/ 2466 - 2467) شرح السنة لللالكائي، برقم (2785) . بسند صحيح.

وسئل المعافى بن عمران، معاوية أفضل أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: كان معاوية أفضل من ستمائة مثل عمر بن عبد العزيز. السنة للخلال (2/ 435) .

و كذلك أخرج الآجري بسنده إلى أبو أسامة، قيل له: أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟

فقال: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقاس بهم أحد. كتاب الشريعة (5/ 2465 - 2466) بسند صحيح، و كذلك أخرج نحوه الخلال في السنة، برقم (666) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت