فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 67

ولنستمع إلى وجهة النظر التي أبداها الأستاذ محب الدين الخطيب - حول مسألة ولاية العهد ليزيد ... - وهي جديرة بالأخذ بها للرد على ما سبق، فهو يقول: إن كان مقياس الأهلية لذلك أن يبلغ مبلغ أبي بكر و عمر في مجموع سجاياهما، فهذا ما لم يبلغه في تاريخ الإسلام، ولا عمر بن عبد العزيز، و إن طمعنا بالمستحيل و قدرنا إمكان ظهور أبي بكر آخر و عمر آخر، فلن تتاح له بيئة كالبيئة التي أتاحها الله لأبي بكر و عمر، وإن كان مقياس الأهلية، الاستقامة في السيرة، والقيام بحرمة الشريعة، والعمل بأحكامها، و العدل في الناس، و النظر في مصالحهم، والجهاد في عدوهم، و توسيع الآفاق لدعوتهم، والرفق بأفرادهم و جماعاتهم، فإن يزيد يوم تُمحّص أخباره، و يقف الناس على حقيقة حاله كما كان في حياته، يتبين من ذلك أنه لم يكن دون كثيرين ممن تغنى التاريخ بمحامدهم، و أجزل الثناء عليهم. العواصم من القواصم لابن العربي (ص 221) .

و نجد أيضًا في كلمات معاوية نفسه ما يدل على أن دافعه في اتخاذ مثل هذه الخطوة هو النفع للصالح العام و ليس الخاص، فقد ورد على لسانه قوله: اللهم إن كنت إنما عهدت ليزيد لما رأيت من فضله، فبلغه ما أملت و أعنه، و إن كانت إنما حملني حبّ الوالد لولده، وأنه ليس لما صنعت به أهلًا، فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك. تاريخ الإسلام للذهبي - عهد معاوية بن أبي سفيان - (ص 169) و خطط الشام لمحمد كرد علي (1/ 137) .

و يتبين من خلال دراسة هذه الفكرة - وهي ولاية العهد من بعده لابن يزيد -، أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما كان محقًا فيما ذهب إليه، إذ أنه باختياره لابنه يزيد لولاية العهد من بعده، قد ضمن للأمة الإسلامية وحدتها، و حفظ لها استقرارها، و جنبها حدوث أية صراعات على مثل هذا المنصب.

قلت: و قد رأى معاوية رضي الله عنه في ابنه صلاحًا لولاية خلافة الإسلام من بعده و هو أعلم الناس بخفاياه و لو لم يكن عنده مرضيًا لما اختاره. وحول مبايعة يزيد بن معاوية رحمه الله بولاية العهد، و حول نشوء هذه الفكرة، و حول كون يزيد أهلًا و كفئ لتوليه الخلافة بعد والده، انظر: مقال بعنوان: مبايعة يزيد بن معاوية بولاية العهد، دراسة تاريخية، للدكتور: عمر سليمان العقيلي، في مجلة كلية الآداب، جامعة الملك سعود المجلد (12) ج (2) .

و الغريب في الأمر أن أكثر من رمى معاوية و عابه في تولية يزيد و أنه ورثّه توريثًا هم الشيعة الروافض، مع أنهم يرون هذا الأمر في علي بن أبي طالب و سلالته إلى اثني عشر خليفة منهم.

نعم إنا نستطيع أن نقول بأن يزيد بن معاوية هو أول من عهد إليه أبوه بالخلافة؛ ولكن لنتصور أن معاوية رضي الله عنه سلك إحدى الأمور الثلاث الآتية:-

1 -ترك الناس بدون خليفة من بعده، مثلما فعل حفيده معاوية بن يزيد.

2 -نادى في كل مصر من الأمصار بأن يرشحوا لهم نائبًا ثم يختاروا من هؤلاء المرشحين خليفة.

3 -جعل يزيد هو المرشح، وبايعه الناس كما فعل.

ولنأخذ الأمر الأول:-

كيف ستكون حالة المسلمين لو أن معاوية تناسى هذا الموضوع، وتركه ولم يرشح أحدًا لخلافة المسلمين حتى توفي.

أعتقد أن الوضع سيكون أسوأ من ذلك الوضع الذي أعقب تصريح معاوية بن يزيد بتنازله عن الخلافة، وترك الناس في هرج ومرج، حتى استقرت الخلافة أخيرًا لعبد الملك بن مروان بعد حروب طاحنة استمرت قرابة عشر سنوات.

ثم لنتصور الأمر الثاني:-

نادى مناد في كل مصر بأن يرشحوا نائبًا عنهم، حتى تكون مسابقة أخيرة ليتم فرز الأصوات فيها، ثم الخروج من هذه الأصوات بفوز مرشح من المرشحين ليكون خليفة للمسلمين بعد وفاة معاوية.

سيختار أهل الشام، رجل من بني أمية بلا شك، بل وربما أنه يزيد، وربما غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت