زالت الشمس صلى الله الظهر والعصر ركعتين - ركعتين يجمع بينهما جمع تقديم أي يجمعهما في وقت الظهر كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع وهو القائل: (( خذوا عني مناسككم ) )، والقصر والجمع في عرفة لأهل مكة وغيرهم وإنما كان الجمع جمع تقديم حتى يتفرغ الناس للدعاء والذكر وقراءة القرآن ويحرص على الأذكار والأدعية وأنفعها وخير الدعاء هو دعاء يوم عرفة كما قال - عليه الصلاة والسلام: (( خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ) )؛ رواه الترمذي ومالك وحسنه الألباني في صحيح الترمذي 3/ 184. وينبغي أن يستقبل القبلة بدعائه ويرفع يديه ويظهر الافتقار إلى الله عز وجل ويلح في الدعاء ولا يستبطئ الإجابة ولا يعتدي في دعائه.
ويجب على الواقف بعرفة أن يتأكد من حدودها وقد نصبت عليها علامات يجدها من يتطلبها، فإن كثيرًا من الحجاج يتهاونون جدًا فيقفون خارج حدود عرفة جهلًا منهم وتقليدًا لغيرهم فهؤلاء لا ينعقد حجهم لأن الحج عرفة ويجب التنبه إلى أن بطن الوادي ويسمى بطن عُرنة كما قال عليه الصلاة والسلام هي بطن الوادي من عرفة فلا يصح فيها الوقوف (أي المكث) .
ومن وقف بعرفة نهارًا وجب عليه البقاء إلى غروب الشمس، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف إلى الغروب ولأن الدفع قبل الغروب من أعمال الجاهلية التي جاء الإسلام بمخالفتها، ويمتد وقت الوقوف بعرفة إلى طلوع يوم العيد لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه ) )؛ رواه أبو داود وصححه الألباني في صحيح أبي داود 1/ 368.
فإن طلع فجر العيد قبل أن يقف بعرفة فقد فاته الحج فإن كان قد اشترط في ابتداء إحرامه تحلل من إحرامه ولا شيء عليه، و إن لم يكن اشترط فإنه يتحلل بعمرة فيذهب إلى الكعبة ويطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ويحلق، و إن كان معه هدي ذبحه فإن لم يجد صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله فإذا كان العام القادم قضى الحج الذي فاته وأهدى هديًا إن كانت حجته حجة الفريضة.
* المبيت بمزدلفة: ثم بعد الغروب يدفع الواقف بعرفة إلى مزدلفة بسكينة فيصلي بها المغرب والعشاء جمعًا ويقصر العشاء ركعتين والسنة للحاج أن يصلي المغرب والعشاء بمزدلفة اقتداءًا برسول الله - صلى الله عليه وسلم- إلا أن يخشى خروج وقت العشاء بمنتصف الليلة فإنه يجب عليه أن يصلي قبل خروج الوقت في أي مكان كان ويبيت بمزدلفة ولا يحي الليل بصلاة ولا غيرها لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعل ذلك.
ويجوز للضعفة من الرجال والنساء أن يدفعوا من مزدلفة في آخر الليل أما من ليس ضعيفًا ولا تابعًا لضعيف فإنه يبقى بمزدلفة حتى يصلي الفجر فإذا صلى الفجر أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وهلله ودعا يما أحب حتى يسفر جدًا وإن لم يتيسر له الذهاب إلى المشعر الحرام دعا في مكانه لقوله - صلى الله عليه وسلم: (( وقفت ههنا وجَمع(يعني مزدلفة) كلها موقف ))؛ رواه مسلم 2/ 893.