وقد عبرنا بتحقق الفعل، لأننا نرجح النظرية المادية على النظرية الشخصية، لكونها أدق دلالة على المراد، وذلك لأنه يوجد في القوانين نظريتان:
النظرية الأولى: النظرية الشخصية، أو الذاتية، وهي النظرية التي تقيم المسؤولية التقصيرية عن الخطأ، فهي تنظر أولًا إلى الشخص، وتتحرى نية الإضرار في سلوكه، وتشترط الخطأ لقيام المسؤولية (2) · فالخطأ إخلال بالسلوك، لذا فهو لا ينسب إلا لمن يملك إرادة عاقلة حرة، ويقع على الشخص المضرور عبء إثبات الخطأ (3) ·
وقد تعرضت هذه النظرية لنقد شديد من جماعة من أهل القانون، وذلك لأن هذه النظرية تشترط إثبات الخطأ من جانب الفاعل لكي يلزم بالتعويض للمضرور، وهذا يفضي في كثير من الأحيان إلى ضياع حق المضرور، لأنه قد يعجز عن إثبات الخطأ، بعد استعمال الآلات الميكانيكية، وقيام الصناعات الحديثة، ولأن المسؤولية الجنائية هي التي تعنى بالخطأ، أما المسؤولية المدنية فينبغي أن تعنى بالضرر، لأن التعويض فيها يقدر بالضرر (1) ·
النظرية الثانية: النظرية المادية، أو الموضوعية، أو تحمل التبعة، وهي التي ترتب المسؤولية على الضرر، ليس على الخطأ، وعليه كل فعل يترتب عليه ضرر تقوم مسؤولية فاعله، سواء أكان مخطئًا، أم غير مخطئ (2) ·
ووفقًا لهذه النظرية يكفي لقيام مسؤولية الشخص أن تقوم رابطة بين الضرر والأفعال التي ارتكبها (3) · حتى ولو لم يرتكب خطأً، وعليه لا يمكن أن يدفع من حصل منه الفعل المسؤولية بنفي الخطأ، بل حتى ولو أثبت السبب الأجنبي قامت المسؤولية، فما دام نشاطه هو الذي أدى إلى وقوع الضرر فهو مسؤول (4) ·
بل قد يكون الأولى التعبير بالعمل الضار، ويجب تفسيره بأوسع معانيه ليشمل الفعل المادي، والقول الضار، والسلوك الأثيم، والخداع، ونحو ذلك، كما يتناول حالة الامتناع عن إجراء يجب إجراؤه إذا نتج عنه ضرر بالغير (5) ·
ولكن لا يعني هذا ترتيب المسؤولية على مجرد إحداث الفعل الضار، بل لا بد من تقييد ذلك بحصول التعدي في هذا الفعل، والتعدي هو مجاوزة الحد، وعليه لا تلزم المسؤولية عند انتفاء التعدي في هذا الفعل ·
ومن الصور التي يحصل فيها الفعل الضار ولا تترتب عليه مسؤولية لانتفاء التعدي فيها، فعل الشخص المكلف بتنفيذ الحدود أو التعزيرات بالمجرمين، وكل من يمارس