الصفحة 56 من 67

فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ" [1] فمن ذكر أخاه في غيبته بما يكره مما هو فيه فتلك هي الغيبة، ومن ذكر أخاه في غيبته بما يكره مما ليس فيه، فقد بهته، أي كذب عليه واتهمه بما ليس فيه."

وقد وردت كثير من الأحاديث في التحذير من الغيبة ليس هذا موطن بسطها.

أما النميمة، فهي السعي بين الناس بالإفساد، لتحريض الناس بعضهم على بعض، والإيقاع بينهم، وشحن قلوبهم بالعداء والضغينة، والنميمة قد تكون للإفساد بين صديقين، أو شريكين، أو زوجين، أو قريبين، أو حبيبين أو أسرتين، أو قبيلتين، أو شعبين، أو دولتين، أو أي فريقين، بينهما صلات، ومودات.

وهي أخبث وسائل التفريق الشيطانية، قَالَ تعالى: {هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} [الْقَلَمِ: 11] وهو الذي يَحْتَقِرُ النَّاسَ وَيَهْمِزُهُمْ طَاعِنًا عَلَيْهِمْ، وَيَمْشِي بَيْنَهُمْ بِالنَّمِيمَةِ وقد أبان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النمام لا يدخل الجنة، فقد روى مسلم في صحيحه عن حذيفة:"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ" [2] .

8، 9 - الغضب والحسد يحرقان الأخوة:

الغضب شعلة محرقة من النار، تحرق الأخوة الإيمانية، وتنزع بالإنسان لسلوك الشيطان، ومن نتائج الغضب الحقد والحسد ولذلك فإن الدين نهى عن الغضب أشد النهي، وأرشد لعلاجه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم موصيًا الرجل الذي طلب الوصية:"لَا تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: لَا تَغْضَبْ" [3] ، وحقيقة الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، يقول ابن قدامة المقدسي:"متى قويت نار الغضب والتهبت، أعمت أصحابها، وأصمته من كل موعظة، لأن الغضب يرتفع للدماغ، فيغطي على معادن الفكر، وربما تعدى إلى معادن الحس، فتظلم عينيه حتى لا يرى بعينيه" [4] .

ومدح الله سبحانه وتعالى الذين يكظمون غيظهم وغضبهم، فقال تعالى في معرض المدح: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} [آل عمران: 134] ، وفي الحديث:"مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ" [5] .

وكذلك الحسد، والحسد من شر معاصي القلوب، ومعاصي القلوب أشد إثمًا من كثير من معاصي الجوارح، نظرًا إلى آثارها الخطيرة على السلوك.

وعلة داء الحسد ترجع إلى الإفراط في الأنانية وحب الذات، مع ضعف في الإيمان بكمال حكمة الله تعالى، الأمر الذي يفضي إلى الاعتراض على الله في حكمته التي وزع على مقتضاها عطاءه بين خلقه ليبلوهم فيما آتاهم، فضرره من هذه الناحية يمس جانب الإيمان ويؤثر فيه.

وداء الحسد قديم في الناس، روى الإمام أحمد والترمذي عن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَاكُمْ لَكُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ" [6] .

ونهى النبي عن الحسد فقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:"ولا تَحاسَدُوا" [7] .

يقطع الحسد وشائج المودّات، وصلات القربات، ويفسد الصداقات، ويولد الناس العداوات، ويفكك افراد المجتمع، ويباعد بين الجماعات.

إن مثل الحسد كمثل مقراض خبيث، يمشي بين الناس فيقطع الأربطة التي تصل بعضهم ببعض على أساس الأخوة والمودة، ويضع مكانها بذرة العداوة والبغضاء والحقد.

(1) - رواه مسلم (2589) (70) وغيره

(2) - مسلم رقم (105) (168) .

(3) - رواه البخاري (رقم 6116) .

(4) - مختصر منهاج القاصدين (179) .

(5) - رواه أحمد (24/ 398 رقم 15637 - ت الأرنؤوط) وأبو داود (رقم 4777) ،والترمذي (2021 و 2493) وحسنه، وابن ماجة (4186) ، وحسنه الألباني والأرنؤوط.

(6) - أحمد (3/ 43 رقم 1430 - ت الأرنؤوط) والترمذي (2510) وحسنه الألباني،.

(7) - رواه مسلم (2564) (32)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت