الصفحة 16 من 69

وبيانًا لذلك يقال: إن الفقهاء من خلال استقراء كلامهم في المماطلة، وما يشابهها من أحكام، يظهر أنهم لا يرون التعويض المالي مقابل تأخر المال، وأن المماطل ليس عليه إلا أداء المال لصاحبه، وأن المطل لا يوجب زيادة في الدَّين، ولا يستحق به غلة المال، وبيان ذلك فيما يلي:

أولًا: أن أكثر العلماء فسروا العقوبة في الحديث: بأنها الحبس، وقد فسرها بذلك وكيع، وسفيان الثوري، وابن المبارك.

قال ابن المنذر:"أكثر من نحفظ قوله من علماء الأمصار وقضاتهم يرون الحبس في الدَّين، وممن نحفظ ذلك عنه: مالك، وأصحابه، والشافعي، والنعمان، وأصحابهما، وأبو عبيد، وبه قال سوار بن عبد الله، وعبيد الله بن الحسن، وقد روينا هذا القول عن شريح، والشعبي، وكان عمر بن عبد العزيز يقول:"يقسم ماله بين الغرماء ولا يحبس" (58) ."

وقال الجصاص:"جعل مطل الغني ظلمًا، والظالم لا محالة مستحق للعقوبة، وهي الحبس؛ لاتفاقهم على أنه لم يرد غيره" (59) .

وقال ابن تيمية:"يعاقب الغني المماطل بالحبس، فإن أصر عوقب بالضرب حتى يؤدي الواجب، وقد نص على ذلك الفقهاء من أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، ولا أعلم في هذا خلافًا" (60) .

وقال أيضًا:"ولو كان قادرًا على أداء الدَّين وامتنع، ورأى الحاكم منعه من فضول الأكل والنكاح فله ذلك؛ إذ التعزير لا يختص بنوع معين، وإنما يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم في نوعه وقدره، إذا لم يتعد حدود الله" (61) ، والقول بالتعويض المالي عن ضرر المماطلة في الديون تعدٍ على حدود الله، فيمنع منه؛ لأنه ربا.

فظهر بما سبق أن السابقين يرون زجر المماطل بالعقوبات الرادعة، وهم متفقون على عدم القول بجواز التعويض المالي للدائن على مدينه المماطل؛ إذ لو قيل به لنقل، فالقول بالتعويض اجتهاد جديد في مقابلة هذا الاتفاق (62) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت