القليلة، ليسهل حفظها وتلقينها لطلبة العلم، وكذا الشروح والحواشي لهذه المختصرات الغامضة التي هي أقرب إلى الألغاز، فضلًا عن خلوها عن الأدلة.
وإنما هوت المدرسة المالكية العراقية من قمة العطاء إلى الضعف مباشرة دون تدرُّج، وكأن جائحة أصابتها فهدمت جدرانها ونقضت بناءها واستأصلت أسسها، ولم تترك منها إلا بقايا تقاوم وتعاند عسى أن يظل للمذهب ذكر بالعراق. ونتساءل عن الأسباب المباشرة التي أدت بالمدرسة إلى مهاوي السقوط، بغية الوقوف على طبيعتها واستكشاف حقيقتها.
وتلمح الجواب من المعطيات التاريخية للقرن الخامس التي نلخص من خلالها عوامل ضعف المدرسة في المسائل التالية:
أ - طبيعة الدور التشريعي.
ب - تقريب الحكام لفقهاء الشافعية وتبنِّي مذهبهم.
جـ - خروج القضاء عن مالكية العراق إلى غيرهم.
د - خروج القاضي عبد الوهاب إلى مصر.
أ - طبيعة الدور التشريعي:
درج بعض العلماء المهتمين [1] بتأريخ الفقه الإسلامي على تقسيم الفقه إلى مراحل نشأة وتطور وانهيار، وأرّخ بعضهم فترة انحطاط الفقه بما عرفته الخلافة العباسية من تمزق وتشتت [2] ، إذ انقطعت الروابط السياسية بين الأقاليم الإسلامية، وصارت الخلافة العباسية في صراع مع جميع الأقطار التي عاشت بؤرًا متردية بين الاستقرار والتمزق السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
أما بغداد مقر الخلافة فعرفت سطوة بني بويه الذين كانوا أصحاب السلطة الفعلية والمباشرة لتسيير شؤون الدولة على المنابر ... وبضعف الخلافة أصبح العالم الإسلامي منقطع الأوصال، مفصوم العرى، ليس له جامعة سياسية تجمع شتاته، وتحافظ على كيانه، وصار كل فريق من المتغلبين يعادي الآخر ويكيد له، فالفاطميون الذين قويت شوكتهم في مصر، اجتهدوا في إرسال دعاتهم إلى جميع الأقطار الإسلامية لبث دعوتهم وكسب عطف الناس متلفعين برداء الانتساب إلى الشجرة المحمدية الزكية. والعباسيون المغلوب على أمرهم كانوا يعقدون المجالس للنيل منهم وإبعادهم عن هذا النسب.
(1) مثل محمد بن الحسن الحجوي الفاسي في كتاب"الفكر الإسلامي في تاريخ الفقه الإسلامي". والفاضل ابن عاشور في كتاب"ومضات فكر". ومصطفى أحمد الزرقاء في كتابه"المدخل الفقهي العام".
(2) تاريخ الخلفاء: (ص 380) ، الكامل في التاريخ (7/ 148) .