وبهذا نقول إن تدهور الأوضاع السياسية وعدم الاستقرار أثّرا -لا محالة- على المسيرة العلمية. وعطاء العلماء، الشيء الذي دفع بالعديد منهم إلى هجرة أوطانهم باحثين عن الاستقرار مبتعدين عن الإكراه والفتوى لصالح القواد والساسة. هذا وإن حاول الفاطميون خاصة في مصر إظهار اهتمامهم بالعلم والعلماء، لكن التاريخ يبقى شاهدًا على سوء نواياهم ومعاملتهم للعلماء المخالفين، وفي تردي الوضع التشريعي وحال العلماء يقول الأستاذ الخضري:"ما يجب الاعتراف به، أن روح الاستقلال في التشريع ضعفت لضعف الاستقلال السياسي، تلك الروح العالية التي كانت تملي على أبي حنيفة -رحمه الله- ومالك والشافعي وأحمد وداود بن علي بن محمد -رحمهم الله- وأضرابهم، لم يبق لها إلا أثر ضعيف، تلك الروح التي أملت على أبي حنيفة أن يقول في أسلافه:"هم رجال ونحن رجال"وأملت على مالك قوله:"ليس من أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا سول الله -صلى الله عليه وسلم-" [1] ."
وبهذا يظهر أن الفقه في هذه المرحلة قد طوى مرحلة النضج والكمال ودخل دائرة التقوقع والتقليد للمذاهب الأربعة خلافًا لما كان عليه أيام قوة الخلافة وتماسكها، فانصهر الاجتهاد المطلق بغلبة الاجتهاد المحدود والمقيد بأصل من أصول إمام من الأئمة الأربعة، ولم يعد الفقه في هذه المرحلة إلا اجترارًا لما سبق، وهذا ما أقره ابن خلدون بقوله:"ووقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة، ودرس المقلدون لمن سواهم وسد الناس باب الخلاف وطرقه لما كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم، ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد، ولما خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله ومن لا يوثق برأيه ... ولم يبق إلا نقل مذاهبهم وعمل كل مقلد بمذهب من قلده منهم بعد تصحيح الأصول واتصال سندها ..." [2] .
في خِضمّ هذه الأوضاع المزرية ضعفت المدرسة المالكية العراقية نتيجة شدة الصراع، والخلاف بين الفقهاء وسيطرة التعصب المذهبي.
ب - تقريب الحكام لفقهاء الشافعية وتبنّي مذهبهم:
بدأت محاولة تبني مذهب معين مع الخليفة المتوكل على الله جعفر المتوفَّى سنة (247 هـ) ، الذي يعتبر من أول من تمذهب من الخلفاء على المذهب الشافعي، وكان يرجو أن يتخذ من الشافعية -وهم أهل السنة- عضدًا يجابه به العلويين الذين ما انفكوا يناضلون دون غايتهم الاستخلافية ... وعهد إلى يحيى بن أكتم بمنصب قاضي القضاة، إلا أن توجه المتوكل لم يكن له الأثر البالغ على المذهب المالكي بالعراق، بل
(1) "تاريخ التشريع"الخضري: (ص 236) .
(2) مقدمة ابن خلدون: (ص 448) .