استمر المذهب قاضيًا ومفتيًا ومتزعمًا لحركة الفتيا والقضاء، بل متقلدًا مناصب قاضي القضاة في أغلب الأحيان.
لكن في عهد القادر بالله (422 هـ) الذي زامن القاضي عبد الوهاب تم تقريب الشافعية بشكل صارخ، وإبعاد من دونهم من المذاهب الأخرى، وتفقه على المذهب الشافعي، وكان أستاذه العلامة ابن بشر الهروي الشافعي. مما جعل ابن الصلاح يعدّه من فقهاء الشافعية، وذكره ضمن طبقاتهم.
بالإضافة إلى هذا أن مدة خلافته كانت أطول، مما ساعد على تقوية المذهب الشافعي وضمان مكانة عالية عند الخلفاء وبالتالي عند الناس. وما أن تقرب الشافعية من الخليفة وتولوا مناصب القضاء حتى أعلنوا العداء العلمي على فقهاء المالكية بالعراق خاصة شيخهم أبو حامد الإسفرائيني [1] المتوفى سنة (408 هـ) حيث انتهت إليه رئاسة الفقه ببغداد فضيق على المالكية وزاحمهم على مكانتهم حتى إنه نسب للمذهب ما ليس منه وما لم يقله فقهاؤهم.
ونجد إشارات لهذا في كتاب"الإشراف"للقاضي عبد الوهاب؛ ففي المسألة (174) يقول:"... وحكى الإسفرائيني الشافعي عنا أنا لا نجوّز أن نصلي الظهر عقيب الزوال حتى يصير الفيء ذراعًا، ولا أعلم هذا قولًا لأحد من المسلمين، وإذا قلنا لأصحابهم هذا غلط علينا لا أصل له، قالوا: لا يحكي شيخنا إلا الصواب" [2] .
وكذلك المسألة (1342) :"إذا كانت له أربع نسوة فقالت له إحداهن: طلقني، فقال: كل امرأة لي طالق، أو قال كل نسائه طوالق، فأطلق ذلك، طلقت السائلة وغيرها إلا أن يُعلم من قَصْده أنه أراد غير السائلة، وحكى الإسفرائيني عنا أن السائلة لا تطلق ويطلق من سواها، وأخطأ علينا في ذلك كعادته فيما يحكيه عنا وعن غيرنا ..." [3] .
على ضوء ما قرره القاضي عبد الوهاب في كتاب"الإشراف"يظهر لنا عمق الشرخ الواقع بين الفقهاء، ومدى تحجُّر الفكر وخطورة العصبية، والتقليد الذي وصل إليه حال الفقهاء، وكذلك انكسار
(1) الإسفرائيني: أحمد بن محمد بن أحمد، أبو حامد الفقيه الإسفرائيني، قدم بغداد وهو حدث فدرس فقه الشافعي على أبي الحسن المرزبان، أقام ببغداد مشغولًا بالعلم حتى صار أوحد وقته انتهت إليه الرياسة وعظم جاهه عند الملوك والعوام. كان الناس يقولون:"لو رآه الشافعي لفرح به". وله مصنفات .... تاريخ بغداد: (4/ 369) ،"طبقات الشافعية" (هداية الله الحسيني) (ص 127) .
(2) "الإشراف"القاضي عبد الوهاب: (1/ 201) .
(3) "الإشراف"القاضي عبد الوهبا: (2/ 741) .