الهمم عن البحث والتحري في قول الآخر، والوقوف على دليله وتعليل ما ذهب إليه مثلما كان في عهد الشيوخ والفقهاء الأوائل. بل صار هم المتأخرين التشنيع على المخالف وإن لم يقم لديه دليل على ما يقول: خلافًا لما عهدناه ممن سبقهم من الأئمة الذين اعتمدوا النقد البنّاء الموجه والمصحح بالاعتماد على الأدلة واحترام الرأي المخالف.
وبهذا يحق لنا القول: إن هذا الصراع كان له الوقْع المباشر على ضرب المدرسة المالكية العراقية، وتكسير حركتها، واجتذاب أصولها التي أبت إلا المقاومة داخل هذه الحلقة من الصراعات المتنوعة والمختلفة.
جـ- خروج القضاء عن مالكية العراق إلى غيرهم:
اشتد عود المدرسة المالكية منذ التأسيس مع القاضي إسماعيل، قاضي القضاة، المفتي المجتهد، واستمرت شجرته مذهرة شامخة حتى القرن الخامس، حين زاحمهم الشافعية وغيرهم من الأحناف مما تسبب في خروج القضاء عنهم وضَعْف شوكتهم وقلة واردي المذهب، وعز طالبوه. وقد أقر هذا عياض بقوله:"بعد موت الأبهري، وكبار أصحابه لتلاحقهم وخروج القضاء عنهم إلى غيرهم من مذهب الشافعي وأبي حنيفة، ضعف مذهب مالك بالعراق، وقل طلبه لاتباع الناس أهل الرئاسة والظهور" [1] .
د - خروج القاضي عبد الوهاب من العراق:
إن خروج القاضي عبد الوهاب من أرض العراق نحو مصر، كان له الأثر البالغ في ضعف المدرسة وانهيارها إذ كان هو الإمام والرائد والمجتهد والموجه للمدرسة ببغداد في وقته، ومعلومٌ إذا غاب الأستاذ ولم يترك خلفًا قادرًا على التحمل والمواجهة يكون مآل المدرسة التشتت والضعف.
ما نخلص إليه: أن هذه العوامل المتضافرة فيما بينها المترابطة الواحدة بالأخرى -زلزلت الأرض من تحت أقدام المدرسة المالكية العراقية وأفسحت المجال للمذهب الشافعي والحنفي.
وخير ما نختم به هذا المبحث قول الدكتور محمد الروكي:"استمر المذهب المالكي قاضيًا ومفتيًا وموجهًا في بلد العراق إلى مطلع القرن الخامس الهجري، حيث قد اشتدت المنافسات بين فقهاء المذاهب الأخرى، وبين أئمة المالكية. بل إن هذا التنافس قد اتسع نطاقه، فعم المذاهب الفقهية كلها واحتدم الخلاف بين الفقهاء وخصوصًا في القضاء والفتيا وغيرهما من مناصب الحكم."
(1) "ترتيب المدارك" (2/ 127) .