وقد اهتمَّ مالكية العراق بهذا الفن، فكانت عنايتهم متجهة إلى تأصيل الأصول، وتقعيد القواعد، بالتدوين فيه في وسط علمي عزز بكبار الأصوليين من الشافعية والأحناف على الخصوص، فانكبّوا على دراسة فتاوى الإمام وأقواله، وبحثوا في أدلتها ومصادرها مستخلصين قواعد عامة يقع تقريرها أصلًا من أصول المذهب، وبهذا العمل القائم على استقراء فتاوى الإمام استطاعوا استكشاف مجموعة من القواعد الأصولية والفقهية التي لم ينص عليها الإمام أو لم يشر إليها، محتجين لكل هذه القواعد بواسطة الأدلة العقلية والنقلية.
ويعدّ ابن الجلاب من الأوائل الذين تعاطوا فن التقعيد الفقهي، الذي كان يمثّل طورًا من أطوار التشريع، ووسيلة تيسّر عمل الفقيه، ويكفي الفقيه كلفة التفتيش عما يريد إدراكه من الجزئيات. وفي ثنايا كتابه التفريع قواعد فقهية متفرقة.
ويتجلى تفوق مالكية العراق في هذا الفن من خلال ما خلّفوه من مؤلفات منها:"كتاب النظائر في الفقه"للقاضي عبد الوهاب. يقول عنه د. حميش عبد الحق محقق كتاب المعونة:"إن ثبتت نسبة الكتاب إليه، فإنه يعتبر من أول ما ألف عند المالكية في هذا الفن" [1] .
ومن مؤلفاتهم في هذا الباب أيضًا:"كتاب الفروق أو البروق في مسائل الفقه"له أيضًا [2] وهو أول كتاب مالكي في الفروق، حيث لا يعلم من ألف من المالكية في هذا الفن قبل القاضي عبد الوهاب، كما يوجد لدى مالكية العراق رصيدهم من القواعد الفقهية مبثوثة لديهم في كتب فروعهم، وهذه القواعد متنوعة، تدور حول محاور عدة تمثل لها ببعض الأمثلة من العبادات والمعاملات:
أ - قواعد فقهية من العبادات:
-في عدم الوضوء من السلس والاستحاضة: قاعدة:"كل خارج من البدن إذا خرج في الصلاة لم يمنع المضيّ فيها ولم يوجب فسادها فإن خروجه خارجها لا ينقض الوضوء" [3] .
-وفي وجه اعتبار اللذة لِمَسٍّ يؤثر في نقض الطهر. قاعدة:"كل معنى تعلق بالذَّكَر أوجب الطهارة العليا، فمن جنسه ما يوجب الطهارة الدنيا" [4] .
(1) المعونة على مذهب عالم المدينة للقاضي عبد الوهاب البغدادي (1/ 43) .
(2) ترتيب المدارك (2/ 273) .
(3) الإشراف: (1/ 142) .
(4) الإشراف: (1/ 149) .