الصفحة 33 من 63

والشرعية، وغرضه: تحصيل مَلَكَة الإبرام والنقض، وفائدته دفع الشكوك عن المذهب وإيقاعها في المذهب المخالف" [1] ."

وحاجي خليفة المتوفى (1067 هـ) عرّفه بقوله:"هو علم يعرف به كيفية إيراد الحجج الشرعية، ودفع الشبه، وقوادح الأدلة الخلافية، بإيراد البراهين القطعية، وهو الجدل الذي هو قسم من المنطق، إلا أنه خص بالمقاصد الدينية" [2] .

وقد اشتهر مالكية العراق بكثرة تصنيفهم في الخلافيات، ولعل مردّ ذلك وجودهم في جوٍّ علمي تكثر فيه المذاهب الفقهية، لمعاصرتهم للحنفية والشافعية فيه، إضافة لما عرفتْه بغداد من تنافس بين المذاهب الفقهية، ونشاط لجميع التيارات العلمية بكل ألوانها السياسية والعقدية والفقهية والحديثية، واللغوية والصوفية ... وغير ذلك من النِّحَل والمذاهب.

إذ اتخذت كل طائفة من بغداد موطئ قدم تثبت به وجودها، وتقوم فيه بالدعاية لنفسها، ونَشْر مذهبها وبيان صحة أصولها، كما سعى علماء هذه المذاهب المتنافسة لنصرة مذاهبهم من خلال الردّ على مخالفيهم، وإبطال احتياجاتهم فعقدت لذلك المجالس، وأقيمت بينهم المناظرات، وغالبًا ما تكون في مجلس الخليفة، وفي مجالس ذوي الجاه والسلطان، فنشأ عن ذلك علم الخلاف.

وفي وسط هذا النشاط العلمي ساهم مالكية العراق في تنشيط الحوار بين المذاهب من خلال التصنيف في الخلافيات مستعملين منهج الردّ ونقض آراء المخالفين، وهذا المنهج النظري العقلي استقام لمالكية العراق، ونبغوا فيه بشكل لا نجد له نظيرًا في المدارس المالكية الأخرى، ويعد القاضي إسماعيل بن إسحاق من الذين نبغوا في الاحتجاج للمذهب المالكي وشرحه، وبيان أدلته وأصوله، ومن عهده بدأت مشاركة المالكية ببغداد في تأسيس وتطوير علم الخلاف مما سيكون له فضل في تدعيم مركز المذهب المالكي بالعراق، وفي هذا يقول القاضي عياض في حق القاضي إسماعيل:"هو أول من بسط قول مالك واحتج به وأظهره بالعراق، وكان أبو حاتم القاضي الحنفي يقول: لَبِثَ إسماعيل أربعين سنة يميت ذكر أبي حنيفة من العراق" [3] .

(1) مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم (1/ 306) . تأليف: أحمد بن مصطفى الشهير بطاش كبري زاده.

(2) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون (1/ 721) . تأليف: حاجي خليفة.

(3) المدارك: (1/ 465) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت