وقد يشتبه التخريج بالقياس إلا أن بينهما فرقًا، فالقياس: ما يفعله المجتهد المطلق من إخراج المسائل على النص:"الآية والحديث". والتخريج: ما يفعله مجتهد المذهب من إخراج مسألة على نظيرها. وذكر ولي الله الدهلوي عن تطور نظر العلماء إلى الأحكام فقال:"فمهدوا الفقه على قاعدة التخريج وذلك أن يحفظ كل أحد كتاب من هو لسان أصحابه، وأعرفهم بأقوال القوم، وأصحهم نظرًا في الترجيح، فيتأمل في كل مسألة وجه الحكم، فكلما سئل عن شيء، أو احتاج إلى شيء رأى فيما يحفظ من تصريحات أصحابه، فإن وجد الجواب فيها، وإلا نظر إلى عموم كلامهم فأجراه على هذه الصورة، أو إلى إشارة ضمنية لكلام فاستُنبط منها" [1] .
وبناءً على ذلك فمعنى التخريج أن ينظر مجتهد المذهب في مسألة غير منصوص عليها فيقيسها على مسألة منصوص عليها في المذهب، مع مراعاة ضوابط التخريج من علة وغيرها.
-وفي هذا المعنى يقول العربي اللوه:"هو التمكن من تخريج الوجوه والأحكام التي يبديها ويستنبطها مجتهد المذهب على نصوص إمامه، كأن يقيس ما سكت عنه على ما نص عليه لوجود الجامع بين المنصوص عليه والمسكوت عنه، أو دخوله تحت عموم ذكره، أو قاعدة قررها، وهو بهذا يفارق المجتهد المطلق الذي لا يتقيد بطريقة غيره، ولا بمراعاة قواعده وشروطه؛ لذا تعتبر نصوص الإمام وقواعده بالنسبة لمجتهد المذهب كنصوص الشارع بالنسبة للمجتهد المطلق" [2] .
-وقال الشيخ محمد يحيى الولاتي في المخرج:"... أي متمكنًا من النظر في أصول إمامه بالتخريج الغير المنصوص لإمامه، بالترجيح للضعيف من أقوال إمامه إذا اقتضى النظر في دليله ترجيحه وكان آخذًا من مذهب إمامه بحظ وافر معتبر" [3] .
-وشرط القرافي في القائم بالتخريج الإحاطة التامة بعلم القياس وبمقاصد الشريعة إذ أنها مبنية على مصالح، ودرء مفاسد، وشروط القواعد.
-يقول القرافي:"... والمخرج على أصول إمامه نسبته إلى مذهبه وإمامه كنسبة إمامه إلى صاحب الشرع، في اتباع نصوصه، والتخريج على مقاصده، فكما أن إمامه لا يجوز له أن يقيس مع قيام الفارق، لأن"
(1) الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، ولي الله الدهلوي (ص 58) .
(2) أصول الفقه / العربي اللواه (ص 392) .
(3) فتح الودود على مراقي السعود ونيل السول على مرتقى الوصول / عبد الله بن الحاج إبراهيم الشنقيطي والإمام أبي بكر محمد بن محمد بن عاصم الأندلسي الغرناطي. (ص 349) .