الفارق مبطلٌ للقياس والقياس الباطل لا يجوز الاعتماد عليه -فكذلك هو أيضًا لا يجوز له أن يخرج على مقاصد إمامه فرعًا على فرع نص عليه إمامه مع قيام الفارق بينهما.
وكذلك إذا كان إمامه قد اعتبر مصلحة سالمة عن المعارض لقاعدة أخرى، فوقع له هو فرع فيه عين تلك المصلحة، لكنها معارضة بقاعدة أخرى، أو بقواعد، فيحرم عليه التخريج حينئذ لقيام الفارق ... فكذلك هذا المقلد له، لأن نسبته إليه في التخريج كنسبة إمامه لصاحب الشرع، والضابط له ولإمامه في القياس والتخريج أنهما متى جوّزا فارقًا يجوز أن يكون معتبرًا حرم القياس، ولا يجوز القياس إلا بعد الفحص المنتهي إلى غاية أنه لا فارق هناك ولا معارض ولا مانع يمنع من القياس، وهذا قدر مشترك بين المجتهدين والمقلدين للأئمة المجتهدين فمهما جوز المقلد في معنى ظفر به في فحصه واجتهاده أن يكون إمامه قصده أو يراعيه حرم عليه التخريج فلا يجوز التخريج حينئذ إلا لمن هو عالم بتفاصيل أحوال الأقيسة والعلل ورُتَب المصالح وشروط القواعد وما يصلح أن يكون معارضًا وما لا يصلح وهذا لا يعرفه إلا من يعرف أصول الفقه معرفة حسنة" [1] ."
وتظهر فائدة التخريج في إيجاد الحلول المناسبة للأحداث الطارئة والنوازل الجديدة التي يواجهها المفتي، خاصة أن الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدة، وإنما أتت بأمور كلية، وعبارات مطلقة، ولأجل ذلك اهتمَّ مالكية العراق بالتخريج، وتوسعوا في القياس، الأمر الذي لا نكاد نجد نظيرًا له عند غيرهم من المالكية، ويبدو هذا واضحًا من خلال بعض مصنفات مالكية العراق، كالقاضي عبد الوهاب في الإشراف، وابن الجلاب في التفريع.
ومن الأمثلة على ذلك:
-قول القاضي عبد الوهاب في كتاب البيوع المسألة 844:"إذا وجد المبيع بالصفة على الصفة المشترطة لزم، ولم يكن للمبتاع خيار الرؤية، إلا أن يكون اشترطه، خلافًا لبعض الشافعية؛ لأنه عقد صحيح على مبيع موصوف لم يشترط فيه خيار وجد على صفته، فلم يكن فيه خيار الرؤية، أصله السلم، ولأنه مبيع سليم، لم يشترط فيه خيار، ولا هناك عرف يوجبه، فأشبه سائر المبيعات؛ ولأن الصفة في بيوع الأعيان قد أُقيمت مقام الرؤية، فيجب إذا وجد المبيع عليها، ألا يثبت فيه خيار، كما لو بيع على رؤيته" [2] .
-وفي مسألة 895 يقول:"إذا نما المبيع في يد المبتاع بولادة الأمة، أو نتاج الماشية، وإثمار النخل والشجر، ثم وجد بالأصل عيبًا، فله الرد، خلافًا لأبي حنيفة في قوله، إن كان ذلك يبطل حقه من الرد، لأنه"
(1) الفروق: أحمد بن إدريس القرافي. (الفرق الثامن والسبعون) .
(2) الإشراف: (2/ 522) .