وإن اغتسل لجمعته وجنابته غسلًا واحدًا وخلطهما في نيته لم يَجْزِهِ عن واحد منهما، ويحتمل أن يجزيه عن جمعته، ولا يجزيه عن جنابته، وهذه المسألة مخرّجة غير منصوصة، ذكرها الشيخ أبو بكر الأبهري، وبقوله أقول" [1] ."
-وفي فصل 51:"في الماء المكروه والنجس":"ومن لم يجد إلا ماءً ولغ فيه كلب، توضأ به، ولم يتيمم، عند مالك، وقال عبد الملك ومحمد: يتوضأ به، ويتيمم، ويصلي صلاة واحدة، ومن لم يجد إلا ماءً وقعت فيه نجاسة، ولم تغيره، فإنا نستحب له أن يتوضأ به ويتيمم، فإن اقتصر على الوضوء وترك التيمم -أجزأه، والاختيار ما ذكرناه، ويبدأ بالوضوء، قبل التيمم، ويصلي صلاة واحدة، وهذا قياس على أصول مالك -رحمه الله- وقال ابن القاسم: يتيمم ولا يتوضأ، وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: يتيمم ثم يتوضأ ويصلي صلاتين إحداهما بالتيمم والأخرى بالوضوء، ليسلم جسده من وجود النجاسة التي عليه" [2] .
-وفي فصل 54:"في المسافر يحضر والحاضر يسافر"يقول ابن الجلاّب:"فأما المسافر يحضر والحاضر يسافر فإنه: إذا سافر الحاضر في آخر النهار وقد بقي مقدار ثلاث ركعات قبل غروب الشمس -فإنه يقصر الصلاتين جميعًا (الظهر والعصر) وإذا كان أقل من ذلك أتم الظهر وقصر العصر."
وإن سافر ليلًا وقد بقي من الليل قبل طلوع الفجر قدر أربع ركعات، قصر العشاء، وإن كان أقل من ذلك، ففيها روايتان: إحداهما أنه يقصر العشاء، والأخرى أنه يتمها.
وإذا قدم المسافر نهارًا وأدرك في النهار قدر خمس ركعات أتم الصلاتين جميعًا، الظهر والعصر، وإن كان أقل من ذلك قصر الظهر، وأتم العصر، وإن قدم المسافر ليلًا فأدرك من الليل قدر أربع ركعات، أتم العشاء، وإن كان أقلّ من ذلك، فإنها تتخرج على روايتين: إحداهما أنه يُتمّ العشاء، والأخرى أنه يقصرها" [3] ."
هكذا يتجلّى لنا مدى اهتمام مالكية العراق بالتخريج، واعتمادهم الرأي والقياس أكثر من إخوانهم المغاربة والمصريين، مستعملين ذلك على نطاق واسع، فاستطاعوا بذلك -على الرغم من قصر فترة ظهور وقوة المذهب المالكي بالعراق- أن يفرضوا وجودهم داخل المنظومة الفقهية، باجتهاداتهم وتخريجاتهم، فساهموا في تنمية وإثراء المذهب المالكي، وجَعْله مردًّا لقَبُول الأحكام للحوادث المختلفة، وكما قال أبو زهرة:"... وكذلك كان مذهب مالك -رضي الله عنه- اتصل بالحياة اتصالًا وثيقًا، لأن مخرّجيه اجتهدوا في أن يفهموا"
(1) التفريع: (1/ 210) .
(2) التفريع: (1/ 216) .
(3) التفريع: (1/ 220) .