وقد كان الدافع لإنشاء علم الفروع في الفقه: هو المستوى الحضاري الرفيع الذي بلغتْه بغداد في القرن الثالث والرابع الهجري، مع تكاثر النوازل وزيادة الترف وأنواع الرفاهية مما دفع الفقهاء إلى معالجة مستجدات الأمور، بدراسة الأصول والقواعد، مع تحديد غاياتها، وضبط عللها، والقياس عليها، ثم استنباط قواعد فرعية مستخرجة منها، وإصدار حكم شرعي بكل حادثة طارئة.
فنشأ عن ذلك علم الفروع، وكثر التفريع والتوسيع، والتخريج والتأليف في المذاهب الأربعة على أيدي كبار أتباعها، كما كثر تعاطي مالكية العراق للفقه الافتراضي: وهو: ما عرف بفرض المسائل وتقدير وقوعها، وهو نتيجة للإكثار من استعمال القياس، حيث أصبح الفقه التقديري ميدانًا لتطبيق الأقيسة ومجالًا لاختيار العلل.
-ويقصد بالفقه التقديري:"الفتوى في مسائل لم تقع، ويفرض وقوعها، وقد كثر هذا النوع من الفقه عند أهل القياس والرأي من الفقهاء؛ لأنهم إذ يحاولون استخراج العلل للأحكام الثابتة بالكتاب والسنة، يوجهونها فيضطرون إلى فرض وقائع، لكي يسيروا بما اقتبسوا من علل للأحكام في مسارها واتجاهها، فيوضحوها بتطبيقها على وقائع مفروضة لم توجد" [1] .
وقد انتقل هذا النوع من الفقه إلى المذهب المالكي على يد"أسد بن الفرات"الذي كان يسأل مالكًا عن المسألة فإذا أجابه قال له:"وإن كان كذا وكذا"فضاق عليه يومًا وقال له:"هذه سلسلة بنت سليسلة، إن كان كذا كان كذا، إن أردت فعليك بالعراق" [2] .
ولعل وجود مالكية العراق بين الأحناف وغيرهم من أرباب المذاهب الفقهية، قد نمى لديهم الميل إلى تفريع المسائل وتوليدها، وهو ما أصبح يعرف بالفقه الفرضي، أو التقديري، وهذا الأمر يختلفون فيه عن المدارس المالكية الأخرى التي عنيت بتصحيح الروايات.
واعتبر"الحجوي الفاسي"أن أبا حنيفة هو الذي أحدث الفقه التقديري فقال:"كان الفقه في الزمن النبوي هو تصريح بحكم ما وقع بالفعل، أما من بعده من الصحابة وكبار التابعين وصغارهم فكانوا يبينون حكم ما نزل بالفعل في زمنهم، ويحفظون أحكام ما كان نزل في الزمن قبلهم، فنما الفقه وزادت فروعه نوعًا، أما أبو حنيفة فهو الذي تجرد لفرض المسائل وتقدير وقوعها، وفرض أحكامها، إما بالقياس على ما وقع، وإما باندراجها في العموم مثلًا: فزاد الفقه نموًا وعظمة وصار أعظم من ذي قبل بكثير قالوا: إنه وضع ستين"
(1) أبو حنيفة (حياته وعصره، آراؤه وفقهه) لأبي زهرة (ص 202) .
(2) ترتيب المدارك: (1/ 270) .