الصفحة 47 من 63

ألف مسألة، وقيل: ثلاثمائة ألف مسألة، وقد تابع أبا حنيفة جلُّ الفقهاء بعده، ففرضوا المسائل، وقدروا وقوعها، ثم بينوا أحكامها ..." [1] ."

-أما أبو زهرة فيرى أن أبا حنيفة لم يحدث الفقه التقديري، ولكنه نَمّاه ووسعه، حيث قال:".... نحن نرى أن أبا حنيفة لم يحدث الفقه التقديري، ولكنه نماه ووسعه وزاد فيه بما هو أكثر من التفريع والقياس، وعندي أن الفقه التقديري وُجد قبل أبي حنيفة في وسط فقهاء الرأي، وإن كان إبراهيم النخعي قد تحاماه أو على التحقيق لم يَسِرْ فيه إلى مداه ..." [2] .

وبناءً على ذلك نهج فقهاء العراق، فساروا على منوال أصحاب الرأي، مقلدين طريقتهم في تعاطي الفقه الفرضي، وتقرير أحكام تلائمه بإعمال الرأي والقياس، وكثرة تفريع الفروع، والجري وراء الفروض حتى الخيالي منها، حيث يسألون عن المسألة ويبدون الحكم فيها ثم يفرعونها إلى فروع لا حصر لها بقولهم:"أرأيت لو كان كذا؟"ويقلبونها على سائر وجوهها الممكنة وغير الممكنة؛ ولذلك سَمّاهم أهل الحديث"الأرأيتيين"نسبة إلى الرأي فيقولون:"ربيعة الرأي مثلًا" [3] .

ذلك أن فقه العراقيين كان فقهًا قياسيًّا كثير التفريع، وكان فيه الفرض والتقدير، فلم تقتصر فيه الفتاوى على المسائل الواقعة، وقد خالف ذلك مالك -رضي الله عنه- فما كان يفتي إلا فيما يقع من المسائل، إلا ما كان أصحابه يتحايلون به عليه، فيفرضون صورًا يسألونه عنها بلسان غيرهم ليتوهم أنها مسائل واقعة لا مفروضة فيجيب على هذا الاعتبار.

ومن أوضح الأمثلة على تغلغل هذا النوع من الفقه الفرضي في المدرسة العراقية هو"كتاب الترفيع"لابن الجلاب البصري حيث توخَّى فيه صاحبه منهجًا يقوم على التفريع والتفصيل سعيًا لتغطية أكثر ما يمكن من المسائل الحادثة أو المتوقعة الحدوث، وتقرير أحكام لمختلف المسائل الفقهية، وتقسيمها تقسيمًا منطقيًا، يتناول كل الوجوه المحتملة عقلًا ليعطي لكل صورة حكمها.

ومن النماذج على هذا النمط:

ما جاء في الفصل 52 في:"حكم من لم يتبين الماء الطاهر من النجس"يقول ابن الجلاب:"ومن كان معه إناءان، أحدهما طاهر، والآخر وقعت فيه نجاسة، لم تغيره، ولم يتبين له الطاهر من النجس، وأشكل ذلك عليه، فالحكم في ذلك أنه يتوضأ بأيّهما شاء، لأن ما لم يتغير من الماء، بنجاسة فهو طاهر مطهر،"

(1) الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي للحجوي الثعالبي الفاسي (2/ 419) .

(2) أبو حنيفة (حياته وعصره، آراءه وفقهه) : (ص 232) .

(3) أصول الفقه / العربي اللوه (ص 26) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت