الصفحة 46 من 71

القياس. وربما يضم إلى ذلك مَنْ لم يحكم أصول العلم: ما عليه كثير من الناس من كثير من العادات ونحوها، فيجعل هذا أيضًا من الدلائل على حسن بعض البدع، إما بأن يجعل ما اعتاد هو ومن يعرفه إجماعًا، وإن لم يعلم قول سائر المسلمين في ذلك، أو يستنكر تركه لما اعتاده بمثابة من {إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [المائدة: 104] وما أكثر ما قد يحتج بعض من يتميز من المنتسبين إلى علم أو عبادة بحجج ليست من أصول العلم التي يعتمد في الدين عليها. والغرض: أن هذه النصوص الدالة على ذم البدع معارضة بما دَلّ على حسن بعض البدع، إما من الأدلة الشرعية الصحيحة، أو من حجج بعض الناس التي يعتمد عليها بعض الجاهلين، أو المتأولين في الجملة.

ثم هؤلاء المعارضون لهم هنا مقامان: أحدهما: أن يقولوا: فإذا ثبت أن بعض البدع حسن وبعضها قبيح، فالقبيح ما نهى عنه الشارع، وما سكت عنه من البدع فليس بقبيح، بل قد يكون حسنًا. فهذا مما يقوله بعضهم.

والمقام الثاني: أن يقال عن بدعة معينة: وهذه البدعة حسنة؛ لأن فيها من المصلحة كيت وكيت. وهؤلاء المعارضون يقولون: ليست كل بدعة ضلالة. والجواب: أما القول: إن شر الأمور محدثاتها، وإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، والتحذير من الأمور المحدثات: فهذا نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا يَحِل لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع، ومن نازع في دلالته فهو مراغم"ا. هـ."

وانتصر لذلك وقرره: الشاطبي رحمه الله في: (( الاعتصام ) ) [1] ، ومن ذلك إبطاله

(1) ذكر الشيخ صالح الأسمري حفظه الله في:"كتاب المسائل"أن كتاب الاعتصام كتاب وحيد في بابه، وذلك بقوله حفظه الله: (فائدة: لما كان كتاب"الاعتصام"للشاطبي رحمه الله: وحيدًا في بابه في إنكار قواعد ومسائل تتعلق بالبدعة شنَّع عليه المخالفون، وأقْذَع في سَبّه بعض متأخري المالكية، ومنهم: عبد الله الصديق الغماري ... ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت