منحهم الله التبحُّر في علم الحديث والتوسع في حفظه كشعبة والقطان وابن مهدي ونحوهم وأصحابهم مثل أحمد وابن المديني وابن معين وابن راهويه وطائفة، ثم أصحابهم مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وهكذا إلى زمن الدارقطني وللبيهقي ولم يجيء بعدهم مساوٍ لهم ولا مقارب. أفاده العلائي وقال: فمتى وجدنا في كلام أحد المتقدمين الحكم به كان معتمدًا لما أعطاهم الله من الحفظ الغزير، وإن اختلف النقل عنهم عدل إلى الترجيح"انتهى]."
وبذلك يتبين أن المتأخرين لا يوازون في المرتبة ما بلغه المتقدمون، وهذا ما بينه الشيخ بقوله: [قال العلامة محمد أنور شاه الكشميري رحمه الله في:"فيض الباري":"وليعلم أن تحسين المتأخرين وتصحيحهم: لا يوازي تحسين المتقدمين؛ فإنهم كانوا أعرف بحال الرواة لقُرْب عهدهم بهم، فكانوا يحكمون ما يحكمون به بعد تثبّت تام، ومعرفة جزئية أما المتأخرون فليس عندهم من أمرهم غير الأثر بعد العين، فلا يحكمون إلا بعد مطالعة أحوالهم في الأوراق، وأنت تعلم أنه كم من فرق بين المجرِّب والحكيم، وما يغني السواد الذي في البياض عند المتأخرين: عما عند المتقدمين من العلم على أحوالهم كالعيان، فإنهم أدركوا الرواة بأنفسهم، فاستغنوا عن التساؤل، والأخذ من أفواه الناس، فهؤلاء أعرف الناس، فيهم العبرة. وحينئذٍ إن وجدتَ النووي ـ مثلًا ـ يتكلم في حديث والترمذي يُحَسِّنه: فعليك بما ذهب إليه الترمذي، ولم يُحْسِن الحافظ في عدم قبول تحسين الترمذي؛ فإن مبناه على القواعد لا غير، وحكم الترمذي يبنى على الذوق والوجدان الصحيح، وإن هذا هو العلم، وإنما الضوابط عصا الأعمى"انتهى. ويؤكِّد المعلمي رحمه الله أصل ذلك ـ وأما مسألة تحسين الترمذي فمَحَلُّ بحثٍ ـ حيث قال في:"الأنوار الكاشفة":"تحسين المتأخرين فيه نظر"انتهى] .
وليُعْلَم أنه لا تلازم بين السند والمتن، فليست صحة السند موجبة لصحة