الصفحة 55 من 71

أفراد أئمة هذا الشأن وحذَّاقهم، وإليهم المرجع في ذلك؛ لما جعل الله تعالى فيهم من معرفة ذلك والاطلاع على غوامضه، دون غيرهم ممن يمارس ذلك. وقد تقصر عبارة المعلل منهم، فلا يُفْصِح بما استقر في نفسه من ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى، كما في نقد الصيرفي سواء، فمتى وجدنا حديثًا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله، فالأولى اتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه، وهذا الشافعي مع إمامته يحيل القول على أئمة الحديث في كتبه فيقول: وفيه حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث"انتهى."

ويقول السخاوي رحمه الله في:"فتح المغيث":"هذا النوع من أغمض الأنواع وأدقها، ولذا لم يتكلَّم فيه إلا الجهابذة أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب، مثل ابن المديني وأحمد والبخاري ويعقوب ابن شيبة وأبي حاتم وأبي زرعة والدارقطني ولخفائه كان بعض الحفاظ يقول: معرفتنا بهذا كِهانةٌ عند الجاهل. وقال ابن مهدي: هي إلهام، لو قلت للقيِّم بالعلل: من أين لك هذا؟ لم تكن له حجّة، يعني يعبّر ـ في نسخة يعتبر ـ بها غالبًا، وإلا ففي نفسه حجج للقبول وللرفض"انتهى].

وبذلك يبين شرف المتقدمين من المحدثين، ورسوخ قدمهم في معرفة علل الحديث، لا كحال جمهرة من المتأخرين، ولذلك يقول الشيخ حفظه الله: [كذا حال القوم خلافًا لجَمْهرة يَدَّعون الحَذْق في (علوم الحديث) يقولون: مَنْ أحمد‍! مَنْ البخاري! مَنْ الدارقطني! مَنْ ... مَنْ ... هم رجالٌ ونحن رجالٌ. فهؤلاء يَصْدق في شيخهم ـ بَلْه حَدَثَهم ـ قولةُ الإمام الذهبي رحمه الله في:"تذكرة الحفاظ"حيث قال:"يا شيخ! ارفق بنفسك، والزم الإنصاف، ولا تنظر إلى هؤلاء الحفّاظ النظر الشَّزْر، ولا تَرْمقَنَّهم بعين النقص، ولا تعتقد فيهم أنهم من جنس مُحَدِّثي زماننا، حاشا وكلا! وليس في كبار مُحَدِّثي زماننا أحد يبلغ رتبة أولئك في المعرفة. فإني"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت