الشطحات، وأنكروها غاية الإنكار، وأساءوا الظن بهم مطلقًا، وهذا عدوان وإسراف، فلو كان كل من أخطأ أو غلط تُرك جملة وأُهدرت محاسنه؛ لفسدت العلوم والصناعات والحكم وتعطلت معالمها.
والطائفة الثانية: حجبوا بما رأوه من محاسن القوم، وصفاء قلوبهم، وصحة عزائمهم، وحسن معاملاتهم عن رؤية عيوب شطحاتهم ونقصانها فسحبوا عليها ذيل المحاسن، وأجروا عليها حكم القبول والانتصار لها، واستظهروا بها في سلوكهم، وهؤلاء أيضًا معتدون مفرطون.
والطائفة الثالثة: وهم أهل العدل والإنصاف الذين أعطوا كل ذي حق حقه، وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته، فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول، ولا السقيم بحكم الصحيح؛ بل قبلوا ما يُقْبَل، وردوا ما يُرَدْ].
وليس التصوف كله مذمومًا، فما وافق الحق قُبِل، وما خالفه رُدَّ، ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ـ كما في"اقتضاء الصراط المستقيم" (ص 91) ـ: (وأنت تجد كثيرًا من المتفقهة إذا رأى المتصوفة والمتعبدة لا يراهم شيئًا ولا يعدهم إلا جهالًا ضلالًا ولا يعتقد في طريقهم من العلم والهدى شيئًا، وترى كثيرًا من المتصوفة والمتفقرة لا يرى الشريعة والعلم شيئًا بل يرى أن التمسك بهما منقطع عن الله وأنه ليس عند أهلها شيء مما ينفع عند الله، والصواب أن ما جاء به الكتاب والسنة من هذا وهذا حق، وما خالف الكتاب والسنة من هذا هذا باطل) .
وأكدَّه وأوضحه في موضع آخر من كتبه كما في"مجموع الفتاوي" (11/ 17،18) حيث قال: (تنازع الناس في طريقهم؛ فطائفة ذمت الصوفية والتصوف وقالوا: إنهم مبتدعون خارجون عن السنة ونقل عن طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف وتبعهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام.