الصفحة 105 من 134

الثالث: شهادة من ربِّ العالمين بأن عبده ورسوله محمدًا صلَّّّى الله عليه وسلّم لم يحرّم سوى ما حرّمه الله، ولم يحلّ سوى ما أحلّه الله، والدليل على ذلك أن الله عاتبه وصحّح له مساره، فكان هذا العتاب دليلًا على أن ما سوى ذلك من فعله وقوله صلَّّّى الله عليه وسلّم جاء على الوجه الذي يرضاه جل شأنه، ولو كان على غير ذلك لجاء فيه العتاب والتصحيح.

* وقال تعالى:

(وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إليّكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلًا. وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) [1]

استخدم جل شأنه الفعل {كاد} في موضعين:

{وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ} و {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إليهمْ شَيْئًا قَلِيلًا}

وهو فعل من أفعال المقاربة، أفاد أن رسول الله صلَّّّى الله عليه وسلّم كان على وشك الوقوع في الحالتين: الفتنة والركون إلى المشركين، وفي ذلك إشارة إلى الآتي:

الأول: بشريته صلَّّّى الله عليه وسلّم التي كانت على وشك الوقوع في الأمرين المذكورين لولا أن تداركه ربّ العالمين بقدرته {لولا أن ثبّتناك ... } فكان الأمر في أوله دليلًا عل كرامته صلَّّّى الله عليه وسلّم، إذ كان على وشك الوقوع فريسةً لمكر الكافرين. ثم جاءه التثبيت من الله دليلًا على سموّ حالة العبودية لديه.

الثاني: تعليم الأمة الحرص على كشف مقاصد المشركين والكافرين؛ ليكونوا على حذرٍ من أن يفتنوهم عن بعض ما أنزل الله إليهم.

الثالث: بسط الرحمة على الأمة حتى لا يقنطوا من رحمة الله تعالى إذا وقعوا في مثل هذه الحالة، ووجه ذلك أن أول العابدين وخاتم النبيين قد أوشك على الوقوع فيها، فكيف بمن هم أقل منه عبودية وقربًا من الله تعالى؟

وليس في هذا ترخيص للمسلمين في الاستسلام لتداعيات الحالة البشرية، بل عليهم أن يجتهدوا في الإنصراف عن الركون إلى الكافرين والمشركين، فإذا

(1) (2 - (الإسراء: الآيتان 73، 74

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت