غلبتهم الطبيعة البشرية، فالحال على ما ذكرناه سابقًا.
* وقال تعالى
(عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَن جَاءهُ الْأَعْمَى. وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى. أمَّا مَنِ اسْتَغْنَى. فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى. وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى. وَأمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى. وَهُوَ يَخْشَى. فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى) [1]
فكان من دلائل العبودية والاستقلالية في الآيات ما يلي:
الأول: إن وقوعه صلَّّّى الله عليه وسلّم في حالة وضعته موضع عتاب من الله دليلٌ على أن فاعليته لم تأتِ على مراد الله، فكان إعلان هذا العتاب شهادة من الله تعالى على بشريته صلَّّّى الله عليه وسلّم، وعلى ما لهذه البشرية من استقلالية، لأن كرامته لا تكتمل إلا بهذه الحالة، وما يعتريها من قصور لا تجوز نسْبته إلى إله أو إلى ابن إله.
الثاني: ومع ذلك فقد كان موقفه صلَّّّى الله عليه وسلّم مع الأعمى تجسيدًا لمعنى عبوديته لرب العالمين، لأن الله تعالى أراد أن يقرّ تشريعًا في كتابه الكريم، فكان خضوع رسوله الأكرم لحالته البشرية طريقًا لعرض ذلك التشريع، فامتزجت الاستقلالية والعبودية بذلك امتزاجًا عجيبًا، لترسم ما لرسول الله صلَّّّى الله عليه وسلّم من مقام ومنزلة.
الثالث: فإذا رأى المؤمنون رسولهم يقع في ذلك الأمر، خفَّف ذلك من وطأة ما يجدونه من حزن إذا وَقَعُوا في موقف مَُشابه، وهم يرون قلة مساحة ما يمتلكونه من إيمان وتكليف أمام ما هو عليه صلَّّّى الله عليه وسلّم.
قد يُوحي ما ذكرناه من أحوال العبودية والاستقلالية بأن رسول الله صلَّّّى الله عليه وسلّم كان متضمّنًا على ذاتين؛ ذات {عبد الله} بكل فاعلياتها المنبثقة من فاعلية الله تعالى المباشرة، وذات {الإنسان} بما يعتريها من أحوال الصفة الآدمية. ولكن الأمر على غير ذلك؛ لأن فاعليته صلَّّّى الله عليه وسلّم
(1) 1 - عبس: الآيات 1، 10