فاعلية ذات واحدة ركَّبها الله تعالى من شقّين؛ شقٍّ مادي وشقٍّ روحي. فأمَّا الشقّ المادي فهو ذلك الجسد المحسوس الذي خضع لفعل {التسوية} في قوله تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} وأمَّا الشقّ الروحي فهو نفخة الروح التي أعطت الصورة المادية القدرة على الفعل والتفاعل، والتي نجد ذِكْرًا لها في قوله تعالى:
{وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} .
فكانت فاعلية الجسد محكومة بقوانين المادة التي خُلق منها، فإذا استسلم الإنسان لأبعاد الحالة المادية فإنه لن يجد استقرارًا ولا اطمئنانًا؛ لأن الطبيعة المادة طبيعة متقلِّبة لا تعرف الثبات. وأمَّا إن جاهد طبيعته المادية، ونظر إلى ما وراءها، تحقَّق لديه النظر الروحي ليصبح بذلك أكثر تعلقًا بمصدر الروح، فبالطاعة والطهارة تصبح فاعلية الجسد أقرب إلى الفاعلية الروحانية، وربما امتدّت لتطَّلع على عالم ما وراء المادة. وفي هذا السياق قال رسول الله:
(إن العبد إذا أخطأ نُكِتَتْ في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر الله وتاب صُقِل قلبه، فإن عاد زِيْدَ فيها حتى تعلو على قلبه، وهو الران الذي ذكر الله في كتابه: كَلاًّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) رواه الترمذي
وخُصَّ القلب بالذكر لقوله صلَّّّى الله عليه وسلّم:
(ألا وإن في الجسد مُضْغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب) رواه البخاري ومسلم.
وصلاح هذه المضغة لا يكون إلا بالانصراف عن السيئات، فإذا تحقّق لها ذلك كان نور الله تعالى أكثر حضورًا وتجليًا في القلب، ومن ثَمَّ انبثق منه بقوَّة إلى الدماغ حيث توجد مراكز الحواس، فيدرك الإنسان المؤمن بحواسّه ما لا يدركه الآخرون، وقد أشار صلَّّّى الله عليه وسلّم إلى ذلك في قوله:
(اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله عزَّ وجل) البخاري والترمذي.