الصفحة 71 من 134

إن الاطلاع على سيرة سيد المرسلين وإمام الأولين والآخرين يلقي إلينا بحقيقة مؤدّاها أنه صلى الله عليه وسلم كان يطلع، أحيانًا، على مافي قلوب الناس، ولكنه لم يكن إطلاعًا مطلقًا، إذ لو كان كذلك لانتفت عنه صفته البشرية، ولذلك كان من لوازم حالته البشرية أن لا يكون اطلاعه على ما في القلوب اطلاعًا مطلقًا فيكون بذلك عرضة لقانون الحالة البشرية، التي قد يخدعها منطق أحد الخصمين، فترى الحق له وهو ليس له.

رأينا كيف أقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن سليمان عليه السلام لو قال {إن شاء الله} لتحقق له مراده في أن ينجب مائة غلام من نسائه المائة. فهل إذا أراد أحد من المسلمين أمرًا وقال فيه {إن شاء الله} تمَّ له ما أراد مثلما هو الحال المُفترض مع سيدنا سليمان عليه السلام؟

إن أنبياء الله تعالى ليسوا كغيرهم من البشر، فقد اصطفاهم الله وأعدَّهم إعدادًا ليكونوا رسله إلى الناس، فاستدعى ذلك أن تكون درجة العبودية لديهم أعلى وأجل، وهو الأمر الذي من شأنه أن يجعل فاعلياتهم الكلامية والجسدية والإرادية أقرب إلى فاعلية القدرة الإلهية وهو ما يشير إليه الحديث القدسي:

(عبدي أطعني تكن مثلي تقول للشئ كن فيكون) .

فكانوا بهذه الفاعلية أكثر تعلّقًا بقول {إن شاء الله} إذ على قدر الهبة تكون مساحة التكليف، وهبته عز وجل للأنبياء قد تجعل الناس ينزلقون إلى الاعتقاد بأنهم آلهة أو أبناء آلهة، فكان في وجوب {إن شاء الله} عليهم تنبيةٌ لهم وللناس من بعدهم بأن الفاعليات الخارقة للمعتاد إنما هى من أمر الله تعالى، وأثر من آثار قدرته.

فقد كان سليمان عليه السلام يعلم علم اليقين أن إرادته متحقّقة؛ لما كان يراه من تجليات قدرة الله تعالى في ذاته. فلم يحقق له الله ما أراد حتى لا ينسى أبدًا

قول {إن شاء الله} في كل ما تتجه إليه إرادته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت