الصفحة 70 من 134

أراد هؤلاء النفر أن يرْقَوا بصفة {عبدالله} في ذواتهم بهجر النساء وصوم الدهر وقيام الليل؛ لإيمانهم بأن القرب من الله تعالى يستدعي التجرُّد من المظاهر الدنيوية. ولو كانت دلالة العبودية تعني فناء ذات الإنسان في ذات الله تعالى، لما جاز للإنسان أن يأتي أيًَّا من الأفعال التي لاتليق بذات الله تعالى من زواج أو طعام أو نوم، ولكن الإنسان خُلِق على غير ذلك، فقد خلقه الله متوفِّرًا على قدْر من الاستقلالية يستدعي بقاءه في إطار قدر كبير من الصفات البشرية، ولا بقاء له إلا بمواقعة هذه الأحوال.

وقد نظر الكفار إلى رسول الله من ذات الوجه الذي نظر من خلاله هؤلاء النفر إلى حالة العبودية، فقال جل شأنه حكاية عنهم:

(َقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا) [1]

فهم لم يقتنعوا بأن صاحب الصلة العظمى بالله يأتي متلبّسًا بهذه الأحوال فردّ صلى الله عليه وسلم على هؤلاء وأولئك بأن الأمر على غير مايظنون، فهو يصلي وينام ويصوم ويفطر ويتزوج النساء، ولا يمنعه ذلك من أن يكون أكثرهم جميعًا خشية لله، بل إنه جعل من كمال منهج العبودية أن يتلبّس المسلم بهذه الأحوال في قوله {فمن رغب عن سنتي فليس مني} وسنته صلى الله عليه وسلم في التعبد لله تعالى هى ما جُبل عليه من تلك المواصفات التي أراد أولئك النفر التمرّد عليها.

6 -وفي الحديث النبوي

سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال:

(إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضهم يكون أبلغ من بعض، فأحسب

أنه صادق، فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هى قطعة من النار، فليحملها أو يذرها) البخاري ومسلم.

(1) - الفرقان: الآية 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت