ذكرنا فيما سبق أن رُقِيّ حالة العبودية في ذات الإنسان لا يعني أنه أصبح متجرّدًا من حالته البشرية؛ لأنه لو تجرد منها لأصبح حاله كحال الملائكة:
(وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ) [1]
والملائكة لايملكون أي قدر من الاستقلاليةعمّا يليق بذات الله تعالى، فهم يفعلون ما يُؤمرون ولا يعصون الله ما أمرهم، أما الإنسان فقد خلقه الله متوفّرًا على قدْر من الاستقلالية يجعله مؤهلًا لأن يأتي بفاعليات يعتريها الخطأ والقصور، مما لاتجوز نسبته إلى الله تعالى، وهو ما يُعَدّ توثيقًا لصفة الاستقلالية. وقد جعل الله هذه الاستقلالية متجانسة مع حالة العبودية، التي هى الصفة الواجبة للملائكة، والتي تجعل الإنسان امتدادًا لأثر قدرة الله تعالى، فلا يأتي من الأقوال أو الأفعال إلا ما ينسجم مع حكمة العزيز الحكيم.
وقد قضى جل شأنه بهذه الحالة لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم في كتابه الكريم، فكان من هيئة اكتمال العبودية لديه أنْ كانت فعالياته من فعاليات الله تعالى، وفي ذات الوقت قُدِّرَ له أن يقع في بعض الأحوال البشرية التي تثبت له كرامة الاستقلالية، وفيما يلي تفصيل لأركان اكتمال حالة {عبدالله} صلى الله عليه وسلم:
أولًا: التَّعَبُّد
كنت قد ذكرت في الأصل الأول لهذا الكتاب هذا العنوان تحت لفظ آخر وهو {الاتحاد} ولكنني عدلت عنه؛ لما تحمله هذه الكلمة من دلالات لم يتفق عليها المسلمون، بسبب أنها تلغي الموجودات بما فيها الإنسان، فالوجود الوحيد هو وجود الله، وما تلك الموجودات إلا مظاهر لوجوده سبحانه وتعالى. وهى فكرة تنفي عن الإنسان معنى الاستقلالية نفيًا مطلقًا، ولهذا لجأت إلى كلمة {التعبّد} بما تحمله من دلالات تدعمها النصوص القرآنية والأحاديث النبوية والأحوال
(1) - الزخرف: الآية 60.