الصلاة، ولذلك نجد أن رسول الله صلَّّّى الله عليه وسلّم لم يأمر الرجل صراحة بالقدوم إلى المسجد مثلما قال جل شأنه في شأن صلاة الجمعة:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّه) [1] إنما أمره بأن يلبِّي النداء وهو يعلم أن كلمته تحمل هاتين الدلالتين؛ ليكون في هذا التعدّد فسحة لصاحب العذْر، فلا يكون حاله كحال من كان صحيحًا معافي.
أي أن اختلاف القول الثاني عن القول الأول لم يكن نسخًا له وإبطالًا، بل كان توثيقًا للتعدّديّة التي اختصرها صلَّّّى الله عليه وسلّم بقوله: {فأجب} ومما يزيد هذا الأمر توثيقًا قوله صلَّّّى الله عليه وسلّم في الذين يتخلفون عن صلاة الجماعة:
(لقد هممْت أن آمُرَ المؤذن فيقيم، ثم آمُرَ رجلًا يؤُمُّ الناسَ، ثم آخذ شُعَلًا من نار، فأُحَرِّق على من لا يخرج إلى الصلاة بعدُ) البخاري ومسلم
فلو كانت عزيمته صلَّّّى الله عليه وسلّم في هذا الأمر قاطعة لخرج إلى من تخلّفوا عن الصلاة في المسجد وحرَّق عليهم بيوتهم. ولكن رحمة الله تعالى الحاضرة في قلب رسوله عطّلتْ إرادة التحريق عن أن تكون فاعلة.
وإنني أدعو كل من له نظر في كتاب الله تعالى وسنَّة رسوله إلى أن يستقصوا شواهد هذه التعدّديّة في الكتاب والسنّة، فينظروا إليها من خلال منظور الرحمة والتيسير، لا من منظور النسخ والتعطيل.
قال تعالى:
(لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [2]
(1) - الجمعة: الآية 9
(2) - التوبة: الآية 128