وصف الله تعالى عبده ورسوله بصفتين واجبتين: رؤوف رحيم، فاستدعى ذلك أن تكون فاعلية الرحمة لديه أعلى وأجلّ من كل صور الرحمة في قلب هذا أو ذاك من الناس، ومن دلائل هذه الحقيقة:
1 -أرْجَى آية
قال عليّ كرّم الله إنكم تقولون إنّ أرجى آية في كتاب الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [1]
قالوا: نعم، إنّا نقول ذلك.
قال: ولكنا أهل البيت نقول: إن أرجى آية في كتاب الله قوله تعالى:
(وَلَسَوْفَ يُعْطِِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) [2] لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عند نزولها (إذًا والله لا أرضى وواحد من أمّتي في النار) [3] .
فإذا كانت رحمته صلى الله عليه وسلم قد بلغت به حدًّا جعله يقسم أن لا يرضى وواحد من أمته في النار، فهل يكون بذلك أرحم من الله تعالى الذي وصف نفسه بقوله {أرحم الراحمين} ؟
إن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يكن إلا ابتكارًا ابتكره الله تعالى؛ ليكون رحمة للعالمين، فهو فيض من فيوض رحمة الله، فإذا يسَّرله الله أن يقول: ... {فوالله لا أرضى وواحد من أمّتي في النار} فما ذلك إلا لأن مضمون القسم هو ما أراده الله تعالى، وهو أن لا يَبْقى أحدٌ ممن قال {لا إله إلا الله محمد رسول الله} في النار.
2 -المرأة الغامدية
فجاءت الغامدية، فقالت يا رسول الله، إني قد زنيت، فطهِّرني، فردّها، فلما كان الغد، قالت: يا رسول الله لِمَ تردّني، لعلّك أن تردّني كما
(1) - الزمر: الآية 53
(2) - الضحى: الآية 5
(3) - القرطبي: ج20، ص 96