الصفحة 127 من 134

كان صلَّّّى الله عليه وسلَّم يحرّك لسانه أثناء التلقِّي من جبريل عليه السلام؛ خوف أن ينساه أو أن يتفلّت منه، فأنزل جل شأنه هذه الآيات، يخبره فيها أنَّه هو المتكفل بجمع كلمات القرآن وتيسيره للقراءة ومن ثَمَّ بيانه. فحقّق الله الجمع والتيسير والقراءة على لسان عبده ورسوله صلَّّّى الله عليه وسلَّم، ومن لسانه إلى ألسنة المؤمنين. وقد ذُكرتْ الحالتان الأوليان مقترنتين بحرف العطف {الواو} إشارة إشارة إلى أنهما متلازمتان. وأمَّا {بيانه} فقد اسْتُخْدم معها حرف العطف {ثمّ} الذي يفيد الترتيب مع التراخي، فدلّ ذلك على أن البيان {التفسير} سيتمّ إجراؤه في زمن آخر، يبدأ من زمن رسول الله صلَّّّى الله عليه وسلَّم ويمتدّ إلى أخر الزمان. ولكن رسول الله غادرنا إلى الرفيق الأعلى، فمن سيؤدي فاعلية البيان من بعده؟

إنهم العلماء بما يهديهم إليه رب العالمين من فهم لكتابه الكريم. وهو ما صرَّح به الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه عندما أجاب على سؤال أحدهم: هل عندكم كتاب؟ فقال:

لا، إلا كتاب الله أو فهمٌ أُعْطِيَه رجل مسلم. رواه البخاري

وبالفهم يكون البيان، وقد أسند الإمام فاعلية الفهم إلى الله تعالى، إذ ليس للرجل أن يأتي بفهم جديد لكلمات الله إلا إذا ألقى الله ذلك في قلبه، ليكون حاله كحال الأنبياء الذين تُلْقَى في قلوبهم كلمات الله تعالى.

فكان العلماء بهذا الفهم ورثة للأنبياء، يفعلون فعلهم، وهو إنارة السبل المفضية إلى الإيمان والمعرفة بالله أمام العباد. فاستحقوا بذلك أن يأتوا يوم القيامة في الدرجة التالية لدرجة الأنبياء في صلاحية الشفاعة للناس، وفي المنزلة عند رب العالمين.

إن الاطلاع على سير الأولين من أهل الاسلام يُظْهر لنا عِظَمَ ما بلغوه من صفة العبودية، وقد استقرّ في نفوسنا أنهم بلغوا درجة أعظم وأجل من أن تكون خاضعة لاحتمال وصول أحد من عباد الله المعاصرين إليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت