فهل كان من قضاء الله تعالى أن يبلغ الصحابة الأولون قَدْرًا من العبودية ليس لأحد سواهم أن يبلغه؟
إن كل درجات العبودية لله ليس عليها من حظر أمام عموم العباد اللهم إلا درجة واحدة وهي درجة النبوة، ليس لأحد أن يتلبَّس بها إلا إذا اختاره جل شأنه اختيارًا مباشرًا.
والصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا رسلًا ولا أنبياء، بل كانوا بشرًا هداهم الله إلى الإيمان به وبرسوله، فصدقوا في إيمانهم، واتقوا ربهم حتى بلغوا بتقواهم تلك الدرجة السامية. والانسان المسلم في أي زمان وفي أي مكان له أن يصل إلى ما وصلوا إليه بل وأكثر من ذلك إذا ما اجتهد في طاعة الله ورسوله. وقد وثَّق المصطفى صلَّّّى الله عليه وسلَّمهذه الحقيقة بقوله لأصحابه:
(فإن من ورائكم أيّامًا الصبر فيهنّ مثل القبض على الجمر، للعامل فيهنُ مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عملكم) وفي رواية عبد الله بن المبارك قيل: يا رسول الله، أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: (بل أجر خمسين منكم) ... رواه الترمذي وأحمد وابن ماجه.
ومن تفسيرات هذا الحديث أن ما كان على عهد رسول الله صلَّّّى الله عليه وسلَّم من مغريات وفتن لايبلغ معشار ما هو موجود في هذا الزمان، فإذا وجدت مؤمنًا ملتزمًا بشرع ربه أمام جحافل المغريات في هذا الزمان فاعلم أنه ممن يشير إليهم ذلك الحديث. فإذا كان أجر الواحد من هؤلاء كأجر خمسين من صحابة رسول الله صلَّّّى الله عليه وسلَّم فما مدى سموّ درجتهم العبادية؟
إنها على القياس المذكور قبل قليل ضِعْف درجة الصحابيّ خمسين مرة ولذلك ذكرهم رسول الله في الحديث بلفظ {إخواننا} :
أتى صلى الله عليه وسلم المقبرة فقال:
(السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، وددتُ أنّا قد رأينا إخواننا) قالوا: أوَ لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: (أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعْدُ) رواه مسلم وأحمد والنسائي وابن ماجه.