الصفحة 129 من 134

ظن الصحابة أنهم هم الذين أرادهم صلَّّّى الله عليه وسلَّم بقوله {إخواننا} فنفى صلَّّّى الله عليه وسلَّم ذلك الظن وأخبر أن إخوانه قوم آخرون يأتون في آخر الزمان، بلغت محبتهم في قلبه حدًّا جعله يتمنى لو أنه رآهم.

وقال صلى الله عليه وسلم:

(إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء)

رواه الإمام ومسلم والترمذي وابن ماجه.

عقد صلى الله عليه وسلم مشابهة بين أول ظهور للاسلام وبين مآله قبيل يوم القيامة، وهو أنه في الحالتين يكون غريبًا، وهذه الغرابة لا تتجلى إلا في أمرين:

الأول: قلَّة الملتزمين بتعاليمه.

والثاني: استهجان الناس لأكثر أحواله ودلالاته.

وليس الأجر سواء بين الزمانين، ففي الزمن الأول كان وجود رسول الله صلَّّّى الله عليه وسلَّم يربط على قلوب الغرباء بما يرون من معجزات يجريها الله على يد عبده ورسوله. أمَّا في الزمان الثاني فإن الغرباء لا يعلمون من رسول الله صلَّّّى الله عليه وسلَّم إلا خبرا مدونا في الكتب، ومع ذلك فإنهم لا يتحولون عن الإيمان به وبشرعه قيد أنملة، فاستدعى ذلك أن يكون أجرهم أعظم وعبوديتهم أعلى وأجل، وأن يكونوا إخوان رسول الله صلَّّّى الله عليه وسلَّم لما هم فيه من مكابدة ومشقة.

قال صلى الله عليه وسلم:

يأتي على الناس زمان، الصابر فيه على دينه كالقابض على الجمر). رواه الترمذي وأحمد.

وقد وثّق جل شأنه كل ذلك عندما صنف أهل الجنَّة في قوله:

(وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَة. فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ) [1]

(1) - الواقعة: 7، 14

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت