ترك عبادة الله الواحد الأحد، فإنه لن يقدر على ترك عبادة الفكرة، ولكنه سينحرف بها إلى ذوات أخرى، يجعلها آلهةً له من دون الله تعالى.
* كن فيكون
قال تعالى:
(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) [1]
هم طائفة من بني اسرائيل عصوا أمر ربِّهم معصية جلَّية، فقال لهم ربُّ العالمين {كونوا قردة خاسئين} فكانوا، ولو كان الأمر واقعًا في حدود ما يملكون معه الاختيار لما استجابوا لذلك الأمر، ولكنهم لم يملكوا ردّ ذلك الأمر فكانوا كما أمر الله تعالى، تحوّلوا من الطبيعة البشرية إلى الطبيعة القرديَّة.
أي أن الأمرلم يكن واقعًا في مجال التكليف ليختاروا بين أن يستجيبوا للأمر أو أن يعصوه، بل كان متوجّهًا إلى مجال آخر ليس لهم عليه من سلطان، وتفصيل ذلك كما يلي:
إن فاعلية الإنسان التأثيرية والتأثّرية ليست جميعًا بيد الانسان، فهو ليس له منها إلا ذلك القدر الذي يتواءم مع مساحة التكليف التي أُنِيْطت به، بما يحقِّق معنى استخلافه في الأرض، وما وراء ذلك من مساحات تأثيرية وتأثّرية باقٍ بيدالله تعالى، يتصرّف فيه كما يشاء.
فالبشر جميعًا عبيد لله تعالى، إلا أن عبودية الكافرين عبودية إجبارية بمعنى أنهم واقعون تحت سلطة الله تعالى يفعل بهم ما يريد، وهم لا يملكون ردًّا لهذه الإرادة.
وهي تلك العبادة القائمة على ما شرعه الله تعالى في كتابه الكريم وسنَّة خاتم النبيِّين. وكان من عدل الله ورحمته أنه لم يكلّف الإنسان بأمر إلا إذا كان منسجمًا مع قدرته على الأخذ به إن أراد، قال تعالى:
(لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) [2]
(1) - البقرة: الآية 65
(2) - البقرة: الآية 286