وكذلك كان الشأن مع محمد صلى الله عليه وسلم إذ وعد المشركين بالإجابة على أسئلتهم بدون أن يستثني ِ، فحجب الله تعالى عنه الوحي حتى لا ينسى أن يذكر {إن شاء الله} في كل شأن يتوجّه إليه، وإعلامًا للأمة بأن الفاعليات القولية والعملية الخارقة للقانون البشري، لم تكن لتجري على يديه لولا مشيئة الله تعالى.
أما الآخرون الذين ليسوا بأنبياء، فهم مُلْزمون أيضًا بقول {إن شاء الله} ولكن مساحة التزامهم بها أقل من تلك التي هي لدى الأنبياء؛ لأن فاعلياتهم محكومة بقوانين الحالة البشرية، ولا تتجاوزها إلى نطاق يخرج عن إطارها.
وحتى في هذه المساحة، فإن الإنسان مُطالَب بأن يعتقد ويقرّ بأن مشيئته ليس لها أن تتحقق إلا بمشيئة الله تعالى، وذلك بالنظر إلى أن الآليات التي تجعله ذا مشيئة إنما هي هبة ربانية أبدعها المولى عز وجل وإذا شاء عطَّلها. فكان قول {إن شاء الله} إقرارًا من العبد بأن الأمر كله لله، وهو بذلك يُسْلم أمره لله إيمانًا وخضوعًا، فإما أن يحقّق له الله ما يريد إن كان ما يريده منسجمًا مع ما سنّه الله للعباد على الأرض، وإما أن يدّخر له ثواب {إن شاء الله} أجرًا طيّبًا يوم القيامة.
ثم إن النظر في مشيئة العبد وصلتها بمشيئة الله يقودنا إلى ما يلي:
1 -إذا كانت المشيئة متعلقة فقط بذاته فتكفيها {كن} لقوله سبحانه:
(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [1]
وأما إن كانت مسندة إلى مخلوق خلقه الله تعالى فإن مشيئته سبحانه يتم إجراؤها من خلال مشيئة ذلك المخلوق، ولكنه سبحانه ترك قدرًا من استقلال المشيئة للإنسان؛ ليكون بذلك مسئولًا عما يأتيه من فاعليات كلامية وجسدية، كعصفورٍ ربطته بخيط ثم مددت له ذلك الخيط مسافة مترين، فإذا تحرك العصفور في هذه المساحة كانت حركته قائمة على مشيئته هو، وهذه المشيئة وفاعليتها لم تكن لتتوفر له لو لم يعطه صاحبه هذا المجال، فإذا أراد له صاحبه مساحة أكبر في المشيئة أو في فاعلية الطيران مدّ له من حبل القدرة.
(1) - يس: الآية 82.