وقد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، فأراد الله خلقه على هذه الصورة وبهذه القدرات القائمة على ما أراده الله تعالى، فكان الله تعالى هو صاحب المشيئة من باب أنه هو من خلق وقدر هذه المنظومة البشرية.
2 -إن الله تعالى أعطى العباد القدرة على إرادة الخير أوالشر، ولكنه لم يطلق هذه الإرادة؛ لعلمه بأن الإنسان قاصر وجاهل، قد يقوده قصوره وجهله إلى أن يفسد الحياة، ولذلك جعل الله مساحة المشيئة لديه محدودة النطاق، وبالقدر الذي يحقق معنى ابتلاء الإنسان بالخير والشر، فإذا وصل الإفساد والفساد حدًا بالغًا تدخل جل شأنه بمشيئته ليصحح مسار مشيئة الإنسان.
3 -ثم إن بعض الكفار أو الاشرار قد يشاء الكفر والفساد في الأرض فيوجّه جل شأنه هذه المشيئة إلى تأييد كلمته في الارض، فيظن الكافر أن مشيئته وما يتلوها من فاعليات إنما كانت لتأييد كفره الذي يظنه حقًا، فيبوء يوم القيامة بمضمون مشيئته، حتى وإن كانت نتيجة هذه المشيئة تأييدًا لأمرالله تعالى. فالمشيئة قد تكون شرًا، والله تعالى يعلم بعلمه العظيم أن الغاية التي سيفضي إليها ذلك الأمر ستكون خيرًا، والكافر بإدراكه القاصر غافل عن كل ذلك.
ومن شواهد هذه الحالة ما كان من شأن فرعون الذي شرع في ذبح كل مولود يُولد في بني إسرائيل؛ ليقضي على النبوءة القائلة بأن ملكه سيزول على يد أحد مواليد بني إسرائيل، فقدّر الله تعالى لهذا المولود أن يكون فرعون هو من يقوم على تربيته. فهل شاء فرعون أن يربي ذلك المولود؟
بالطبع لا، إنما شاء أن يقضي على احتمالات هذه الفكرة، فجعل الله تلك المشيئة سبيلًا إلى تحقيق مشيئته هو سبحانه.
والخلاصة أن الله تعالى جعل للإنسان مشيئة، فقال:
(وقل الحقُّ منْ ربِّكم فمن شاء فَلْيُؤمن ومن شاء فَلْيكفر) (1)
فأثبت له قدرًا من المشيئة إلا أنه ربط هذه المشيئة بمشيئته، وذلك من خلال مسارين: الأول: أنه صاحب هذه الهبة، فهى له وليست للإنسان بالنظر إلى أنه هو سبحانه مصدرها. والثاني: أن مشيئات البشر مفردات يصوغ بها جل شأنه كلماته المدرجة في كتاب استخلاف الإنسان في الأرض، فإذا كانت المشيئة خيرًا