وسألوه أن يخبرهم بما يأكلون في بيوتهم وبما يدخرون من الأموال لأخبرهم عليه السلام إخبار دقة وتفصيل. فمن أين له عليه السلام قدرة الإطلاع على ماكان غائبًا عن جميع الحواس؟
ليس هناك من سبيل على الإطلاق لنسبة هذه الفاعلية إلى قوانين القدرة البشريةالمجردة، ولذلك فإنها لن تكون إلا لذات لها أن تتجاوز قيود كل القوانين التي تحكم فاعلية العمل البشري، وهذه الذات لن تكون إلا ذات الله تعالى، فكان في تلبسه عليه السلام بهذه الفاعلية إشارة إلى أن فاعلية القدرة الإلهية تجلت في ذاته الشريفة، وماذلك إلا لرقي حالة العبودية، لديه والتي جعلت نفخة الروح في ذاته أعظم فاعلية عبر تجلي نور الله تعالى في ذاته الطاهرة.
* وقال تعالى:
( .. إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا .. ) [1]
كان من سنن خلق الإنسان أن الطفل الرضيع لايتسنَّى له الكلام بأي حال من الأحوال، فإذا سمعت أن طفلًا ولد لأيام قليلة قد تكلم بأفصح بيان، فلن تصدق ذلك مهما أقسموا عليه، فإذا كان قدر ذلك الطفل أن يكون نبيًا، وكان المخبر بشأنه رب العالمين، فإن الأمر صدق، لايرقى إليه صدق البشر فيما بينهم. وبالتالي فإن هذا الرضيع لن يكون كلامه قائمًا على القوانين البشرية المعلومة، بل على قانون قدرة الله تعالى التي لايقف أمامها حد أو سد، فكان تكلُّم سيدنا المسيح عليه السلام وعمره يوم أو أيام قليلة، إشارة إلى أن الفاعلية التي هيأت له ذلك إنما هى فاعلية القدرة الإلهية، التي تجلت في هذه الصورة الآدمية.
ولو نظرنا إلى ظاهرة النطق لدى الإنسان، لوجدنا أنها آلية تقوم أولًا على مدركات يحتويها العقل، ومن ثم يجري اللسان معبرًا عنها، ولم تكن هذه الآلية متوفرة لدى عيسى السلام، ومع ذلك تكلم، ولم ينبعث منه الصوت بدون أن يكون جهازه الصوتي هو المكون له مثلما نرى في آلات التسجيل الصوتي التي
(1) - المائدة: الآية 110.