الصفحة 56 من 134

ولو كان صلى الله عليه وسلم خاليًا من هذه الحالة الاختيارية لما أمره الله تعالى بقول {إن شاء الله} في كل أمر يتوجه إليه، فكان في وجوب قول إن شاء الله إشارة إلى أن الإنسان لابد له من أن يُقِرَّ ويشهد بأن ما يملكه من قدرة على الاختيار إنما هو هبة من الله تعالى، لا أن يجردها من الرجوع إليه سبحانه، فيفضي به ذلك إلى أن يرى نفسه إلهًا مثلما فعل فرعون والنمرود، أو يفضي به إلى الاعتقاد بأن قدرته الذاتية هى التي تحقق له ما يريد بعيدًا عن قدرة الله تعالى مثلما فعل قارون الذي أعلن أن ثروته العظيمة تحققت له من خلال فعالياته المجردة، فخسف الله به وبداره الأرض.

فنحن نملك القدرة على الاختيار، والتصرف في الحياة بما تمليه علينا إرادتنا، وقد أمرنا جل شأنه أن نقر له بذلك الفضل بأن نقول {إن شاء الله} إشارة إلى أن ما نملكه من فاعلية التصرف في أحوال الحياة، والتي هى من صفة الله تعالى، ليست لأننا آلهة أو أبناء إله، بل لأننا عبيد لله تسري في طرق ذواتنا المعبَّدة فعاليات القدرة الإلهية.

وكان صلى الله عليه وسلم، بحكم عِظَم تجلِّي فاعلية الله تعالى في ذاته، أكثر الخلق وجوب التزام بقول {إن شاء الله} وقد التزم بما أمره به ربه فكان إذا عزم على أداء أمر أو دعا بأمر لا ينسى أن يقول {إن شاء الله} ومن شواهد ذلك مايلي:

* ... عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم:

(قال سليمان بن داود عليهما السلام: لأطوفنّ على مائة امرأة أوتسع وتسعين كلهن يأتي بفارس، يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: إن شاء الله، فلم يقل إن شاء الله فلم يحمل منهن إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل. والذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون) رواه البخاري ومسلم والنسائي.

* ... دخل صلى الله عليه وسلم على أعرابي يعوده [1] فقال له:

(1) - يعوده: يزوره في مرضه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت