ومن المسلم به أن أنبياء الله ورسله لهم مكانة عظيمة عند الله تعالى في الدنيا والآخرة، وأن هذه المكانة تستدعي أن يُظْهر اللهُ أمام أممهم قدرًا من كراماتهم في الدنيا والآخرة، فكانت هناك بعض الكرامات والمعجرات الدنيوية تعلق بها ذوو العقول القاصرة، ثم أسرفوا في التعلق بها حتى جعلوها صفة إلهية. ومن بين ما تعلق به النصارى فكان سببًا في ضلالهم:
1 -قال تعالى مذكرًا عيسى عليه السلام ببعض نعمته عليه:
( .. وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي .. ) [1]
فكان في تفرده عليه السلام بهذه الفاعلية ماجعل القوم يُفْتنون، إذ رأوه يأتي بأفعال ليست من جنس ما يأتيه البشر، فجرؤوا على القول بأنه لم يتسنَّ له فعل ذلك إلا لأنه إله أو ابن إله. وقد دفعهم إلى المبالغة في هذا الظن ما رأوه في ميلاده العجيب، إذ وُلد من أم بدون أب، فقالوا هو ابن الله .... تعالى الله عما يقول الظالمون علواَ كبيرًا.
2 -وقال تعالى على لسان عيسى عليه السلام:
( .. إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.) . [2]
فمن شأن كل نبي أن يهتم لأمر أمته، لأن الله تعالى ألقى في قلب كل منهم محبة قومه؛ ليكون ذلك سبيلًا من سبل رحمته بالعباد، إذ يتوجه الأنبياء إليه بالدعاء وطلب الرحمة لهم و لأقوامهم. وها هو عيسى عليه السلام يقر حقيقتين لله تعالى في الآية السابقة:
-إن تعذبهم فإنهم عبادك، لك مطلق الصلاحية في أن تفعل بهم ماتشاء بدون أن يكون في ذلك مايمس صفة العدل لديك.
-وإن أردت أن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم، لك أن تفعل ذلك بما تشاء من أسباب لا يعلمها أحد سواك مما يندرج في إطار حكمتك التي ليس
(2) - المائدة: الآية 110 ... (2) المائدة: 118.