وتوصل الحقوق إلى أهلها، فبها ينتصف المظلوم من الظالم، لذلك فقد أقاموها على أساس راسخ من العدالة المحققة في الشاهد، وذلك من أجل الحفاظ على الدماء والحقوق.
وقد دلت نصوص الكتاب والسنة النبوية على اشتراط العدالة في الشهود في غير ما موضع، ولعلنا أشرنا إلى كثير منها في ثنايا حديثنا عن معنى العدالة ولا مانع من تذكير القارئ بشيء من هذه الأدلة، والتي منها قوله سبحانه وتعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق، 2] ، وقوله تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة، 272] . والرضا متوجه إلى العدل المرضي ديانة وخلقًا [1] .
ولأن الحاكم يحكم بقول الشاهد وينفذه في حق الغير، فوجب أن يغلب على ظنه صدق الشاهد، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال العدالة [2] .
وقال بعض العلماء في تفسير قوله تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} ، «هذا تقييد من الله سبحانه على الاسترسال على كل شاهد، وقصر الشهادة على المرضي خاصة؛ لأنها ولاية عظيمة؛ إذ هي تنفيذ قول الغَيْر على الغير؛ فمن حكمه أن يكون له شمائل ينفرد بها، وفضائل
(1) ينظر: الماوردي، الحاوي، ج 17، ص 148.
(2) الموصللي، الاختيار، ج 2، ص 416.
قلت: ومن تمام عدل الله وكمال قدرته يوم يحكم بين الخلائق أن ينطق جوارح الإنسان لتشهد عليه، ذلك أن العبد يجادله ويقول: إني لا أجيز شاهدًا عليَّ إلا شاهدًا مني، ففي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ الله فَضَحِكَ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟ قَالَ: قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنْ الظُّلْمِ؟ قَالَ: يَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا، قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ، قَالَ: فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ» . كتاب الزهد، ص 1286، 1287، رقم الحديث 7439، والله سبحانه وتعالى خير الشاهدين وكفى به شهيدًا، إلا أنه ينطق جوارح الإنسان حتى لا يبقى عذر لأحد، وفي الدنيا يستحيل على البشر أن ينطقوا الجوارح لتشهد على صاحبها أوله، فأقيم العدل المرضي مقام ذلك، والله أعلم.