يتحلى بها حتى يكون له مزيّة على غيره توجِبُ له تلك المزية رتبة الاختصاص بقبول قوله على غيره، ويقضي له بحسن الظن، ويحكم بشِغل ذمة المطلوب بالحق بشهادته عليه، ويغلب قول الطالب على قوله بتصديقه له في دعواه [1] .
ذكرنا في تعريف العدالة أنها هيئة راسخة تدعو صاحبها الاستقامة على الدين باجتناب الكبائر وترك الإصرار على الصغائر، واستعمال المروءة بفعل ما يجمله، وترك ما يشينه عرفًا وعادةً.
وهذا يعني أن العدل من ترسخت في الأذهان عدالته، وهذا أمر لا يعرف إلا باستمرار العدل على هذه الهيئة فليست هي هيئة عابرة وإنما هي هيئة راسخة تُعرف عن طريق المقربين للعدل المصاحبين له، الناظرين لحاله [2] ، فلو أن مسلمًا جاء إلى القاضي ليشهد في قضية ما،
(1) ابن العربي، أحكام القرآن، ج 1، ص 301.
(2) كان القضاة يطلبون من الشاهد أن يحضر من يزكيه وهو ما عُرف باسم التزكية العلنية، والمقصود بها التحقق من أمانة الشاهد وصدقه، وبناء على هذه التزكية يقبل القاضي الشاهد أو يرفضه، ولم يقتصر القضاة على هذه التزكية العلنية فلجأوا أيضًا إلى ما عرف باسم التزكية السرية، وكان شريح أول من أدخل نظام التزكية السرية، ثم تطور الأمر في التحقق من صدق الشهود، فقام بعض القضاة بتعيين ما عرف باسم «صاحب مسائل» ، وكان القائم بهذه الوظيفة يتولى التحري بالسؤال عن الشهود، وهو ما عرف باسم التعديل ... ثم حرص بعض القضاة في أن يحيطوا أنفسهم بالشهود العدول، فاستحدثوا وظيفة «الشهود المعدلين» ، أو «العدول» ، وكانت من مهام القائم بهذه الوظيفة القيام عن إذن القاضي بالشهادة بين الناس فيما لهم وعليهم، تحملًا عند الإشهاد، وأداء عند التنازع، وكتبًا في السجلات تحفظ به حقوق الناس وأملاكهم وديونهم وسائر معاملاتهم، فكان أول من طبق نظام تعيين الشهود العدول في مصر هو القاضي مفضل بن فضالة سنة 174 هـ. وبالطبع فإن تعيين الشهود العدول لا يحرم أصحاب المصالح من استدعاء أشخاص آخرين للشهادة. ينظر: محمد محمد أمين، الشاهد العدل في القضاء الإسلامي، «بحث منشور في مجلة البحث العلمي والتراث الإسلامي» ، ص 42 وما بعدها.