الصفحة 31 من 58

الديانة وقلة الأمانة في بعض الأعصار والأمصار [1] .

وأما من قال إن الكبيرة هي كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين فهو ضابط يدخل الصغائر في جملة الكبائر، ذلك أن المصر على الصغائر غير مكترث بالدين، وغير مبال بالحلال والحرام، ولهذا رد الفقهاء شهادته، وإدخال صغائر الذنوب في حد كبائرها يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الذي نصَّ على انقسام الذنوب في نفسها إلى كبائر وصغائر - كما أشرنا إلى ذلك سابقًا -.

ولذلك فأولى ما يقال في تعريف الكبائر: إنَّها كُلُّ ذَنْبٍ خَتَمَهُ اللهُ تَعَالَى بِلَعْنَةٍ أَوْ غَضَبٍ أو نَارٍ، أَوْ حُبُوطِ عَمَلٍ، أو وَجَبَ فِيْهِ حَدٌّ في الدُّنْيَا، أَوْ عَظُمَ ضَرَرُهُ وَمَفْسَدَتُهُ عَلَى الْ‍مُسْلِمِينَ [2] .

ثانيًا: الصغائر:

الصغائر في اللغة مأخوذة من الصِّغَرُ: ضد الكبر، والصِّغَر والصّغارةُ خلاف العظيم،

(1) وليس أدل على هذا من قول أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: «إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنْ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُوبِقَاتِ» . البخاري، صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب: ما يتقى من محقرات الذنوب، رقم الحديث 6492، ص 1125.

قلت: ولقد قال أنس رضي الله عنه هذا في زمان التابعين الذي شهد له النبي صلى الله عليه وسلم أنه من خير القرون بعد قرن الصحابة، فكيف بأزماننا التي عمَّت فيها الفتن وكثرت الشهوات، وصار لأهل الباطل صولتهم وجولتهم، والله المستعان.

(2) ذكرت هذا الضابط الأخير، وهو: ما عظم ضرره ومفسدته على المسلمين، وقد أشارت إليه بعض التعريفات التي سقتُها؛ لما ابتليت به الأمة في الأزمان المتأخرة من إقدام بعض المسلمين - وللأسف الشديد - من الإفساد المتعمد لأديان الناس، وذلك عن طريق إثارة الشبهات والشهوات، من خلال استخدام التقنيات الحديثة للوصول إلى أكبر شريحة من المسلمين لإغوائهم وإضلالهم، وهذا لا شك أنه من أعظم الكبائر وأشنعها؛ لأن ضرره يتعدى الإنسان إلى غيره بل قد يشمل أجيالًا كاملة من المسلمين، والله المستعان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت