(1) الناظر لكلام الفقهاء المتعلق بشروط الشهادة يلحظ أن بعضهم يبدأ بذكر شروط الشهادة، ويعقد لذلك فصلًا خاصًا، ثم يثني بفصل آخر يذكر فيه موانع الشهادة، وهذا ما ظهر لي في كتب المالكية والحنابلة، بينما وجدت في كتب الحنفية والشافعية من يتكلم عن شروط الشهادة، ويقول إنها سبعة عشر شرطًا، وبعضهم يقول إنها واحد وعشرون شرطًا، ذلك أنهم يعدون انتفاء الموانع من شروط الشهادة، فلذلك تبلغ عندهم الشروط هذا العدد. ولعل التباس الشرط بعدم وجود المانع سببه اتحادهما في الأثر المترتب من حيث وجود الحكم أو تخلفه، ذلك أن الحكم يتخلف عند تخلف الشرط، كما أنه يتخلف عند وجود المانع. ولهذا وُجد من العلماء من يجعل تخلف الشرط مانعًا، لاتفاقهما فيما يلزم منهما، ومنهم من يجعل انتفاء المانع شرطًا، ولذلك قال القرافي في كتاب (الفروق، ج 1، ص 111) : «القاعدة أن عدم المانع يعتبر في ترتيب الحكم، ووجود الشرط أيضًا معتبرٌ في ترتيب الحكم، مع أن كل واحد منهما لا يلزم منه الحكم ... وكلاهما يلزم من فقدانه العدم ولا يلزم من تقرره وجودٌ ولا عدم، فهما في غاية الالتباس، ولذلك لم أجد فقيهًا إلا وهو يقول: عدم المانع شرط ولا يفرق بين عدم المانع والشرط البتة وهذا ليس بصحيح» اهـ. كما ينظر لمذهب المالكية والحنابلة في فصل الشروط عن الموانع: (الدردير، الشرح الصغير، ج 2، ص 331. ابن مفلح، المبدع، ج 8، ص 299 - 314) . ولبعض الحنفية والشافعية الذين خلطوا الشروط بالموانع. داماد أفندي، مجمع الأنهر، ج 2، ص 184. علاء الدين أفندي، حاشية قرة عيون الأخيار، ط 1، 1415 هـ/1994 م، دار الكتب العلمية: بيروت، ج 11، ص 80، 81. البابرتي، العناية على الهداية «مطبوع مع شرح فتح القدير» ، ط 2، دار الفكر: بيروت، ج 7، ص 397. النووي، روضة الطالبين، ج 8، ص 199 وما بعدها.
وقد فرَّق البعض بين شروط الشهادة وموانعها بقولهم: «إن المانع من الشهادة ما يحول بين الشخص الذي تحققت فيه أهليتها بتوفر شروطها، وبين القيام بأدائها، وهو معنى يقوم بالشخص الذي تحققت فيه أهلية أداء الشهادة أو صفة يتصف بها يترتب عليها عدم صلاحية الشخص لأداء الشهادة، ويكون الممنوع من الشهادة هو: المحروم منها رغم تحقق أهلية الشهادة فيه بتوفر شروطها فيه؛ لقيام مانع، ثم مثلَّ على هذا المعنى بقوله: فمثلًا العدالة شرط من شروط الشهادة، وقد علمنا أن عدم العدالة ليس مانعًا؛ لأنه وصف عدمي، بل هو تخلف شرط، فلو جيء بمرادف وجودي لهذا الوصف العدمي - أعني عدم العدالة - فقيل: الفسق وصف وجودي ظاهر منضبط يلزم من وجوده عدم الحكم فهو مانع. فالجواب هو: أن هذا غير صحيح فإن المانع إنما يكون بعد توافر الشروط، وفي هذه الحالة وهو كون الشاهد فاسقًا لم تتوفر الشروط في الشاهد أصلًا؛ لأن وجود الفسق ملازم لتخلف شرط العدالة ضرورة فلما لم تكتمل الشروط لم يوجد المانع، وكذلك القول في الكفر والرق والعمى وغير ذلك من المرادفات الوجودية لعدم شروط الشهادة فإنها ليست بموانع. وينظر: أيمن الحربي، موانع الشهادة في الفقه الإسلامي، ج 1، ص 34 وما بعدها. وعلى هذا فلا ينبغي جعل انتفاء الموانع من شروط الشهادة؛ لأن الموانع لا ينظر إليها إلا بعد اكتمال الشروط وتحققها وأهلية الشاهد للقيام بالشهادة. وهذا قريب مما ذهب إليه المالكية والحنابلة الذين يعقدون في كتبهم فصلًا لشروط الشهادة، ثم يثنون عليه بذكر موانع الشهادة في فصل مستقل، والله أعلم.