تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58] ، فكما يجب أداء الوديعة على الأمين، يجب أداء الشهادة على الشاهد، ولذلك نجد ابن عباس رضي الله عنهما يعد كتمان الشهادة من أكبر الكبائر [1] .
فالشهادةُ فرضٌ يأثمُ تاركها إن علم أن القاضي يقبل شهادته، ودُعي إليها، ولم يكن ثمة شاهد غيره؛ لأن امتناعه حينئذ يضيع حق أخيه المسلم. فإن وجد من يقوم مقامه في تحمل الشهادة أو أدائها ممن تحصل بهم الكفاية سقط الفرض عن الباقين؛ لأن المقصود بالشهادة حفظ الحقوق، وذلك يحصل بالبعض، فهي فرض كفاية إن قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وإن امتنعوا جميعًا أثموا؛ لأن إباية الناس كلهم عنها إضاعة للحقوق، وإجابة جميعهم إليها تضييع للأشغال.
ويستثنى من ذلك إن علم الشاهد أن القاضي لا يقبل شهادته، أو كان الشهود جماعة فأدَّى بعضهم ممن تقبل شهادتهم، أو لحق الشاهد ضرر في التحمل أو الأداء في بدنه أو ماله أو أهله [2] .
(1) ابن قدامة، الشرح الكبير، ج 12، ص 4 - 6. وقد ذكر ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} ، أي: «لا تخفوها وتغلوها ولا تظهروها. قال ابن عباس وغيره: شهادة الزور من أكبر الكبائر وكتمانها - أي الشهادة- كذلك» . عماد الدين إسماعيل بن كثير، تفسير القرآن العظيم، تحقيق: مصطفى السيد وآخرون، ط 1، 1425 هـ/2004 م، دار عالم الكتاب: المملكة العربية السعودية، ج 2، ص 513.
(2) ينظر: الزيلعي، تبيين الحقائق، ج 4، ص 207. الدردير، الشرح الصغير، ج 2، ص 338. الشيرازي، المهذب، ج 3، ص 435. البهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج 3، ص 576. ابن العربي، أحكام القرآن، ج 1، ص 303.