وكان فيما يظهر للقاضي أنه عدل، فهل يكتفى بهذا الظاهر منه للحكم بعدالته، وبالتالي قبول شهادته، أم أن القاضي يتعين عليه تقصي العدالة في شخص الشاهد بالسؤال، أو الاستفاضة أو الشهرة.
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: الأول: ويقضي بأن للقاضي الاقتصار على ظاهر العدالة، ولا يتعين عليه التقصي عنها إلا في الحدود والقصاص. وكذا فيما لو طعن الخصم في الشاهد، وبهذا قال الإمام أبو حنيفة [1] ، وهو رواية عن أحمد في كل مسلم لم تظهر منه ريبة [2] .
القول الثاني: وهو للصاحبين من الحنفية؛ وعليه الفتوى [3] ، والمالكية [4] ، والشافعية [5] ، والحنابلة في ظاهر المذهب [6] ، ويقضي بأنه يتعين على القاضي أن يسأل عن الشهود في جميع الحقوق.
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول بقبول النبي صلى الله عليه وسلم شهادة الأعرابي في رؤية الهلال [7] .
(1) الموصللي، المختار، ج 2، ص 417. القدوري، الكتاب، «المطبوع مع اللباب» ، ج 4، ص 57.
(2) وفي هذه الرواية لم يفرق الإمام أحمد بين الحدود والأموال. ابن مفلح، المبدع، ج 8، ص 200. المرداوي، الإنصاف، ج 11، ص 281، 282.
(3) الموصللي، الاختيار، ج 2، ص 417. المرغيناني، الهداية، «المطبوع مع البناية» ، ج 8، ص 138، 139.
(4) ابن عبدالبر، الكافي، ص 466. ابن العربي، أحكام القرآن، ج 1، ص 302.
(5) الماوردي، الحاوي، ج 17، ص 156. الشيرازي، المهذب، ج 3، ص 386، 387.
(6) ابن مفلح، المبدع، ج 8، ص 199، 200. ابن قدامة، المغني، ج 11، ص 417، 418.
(7) ونص الحديث عَنْ ابْنِ عبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيُّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلالَ، فَقَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا الله؟ أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول الله؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: يَا بِلال أَذِّن فِي النَّاسِ أَنْ ْيَصُومُوا غَدًا» . الترمذي، الجامع الصحيح، ص 176، رقم الحديث 691. النسائي، أحمد بن شعيب، سنن النسائي الصغرى، ط 1، 1420 هـ/1999 م، دار السلام: الرياض، ص 297، رقم الحديث 2114، 2115.